تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٢٥٨
بعض، انتبه من المنام مذعورا مرعوبا، فسأل بعض أصحاب ابن سيرين، فقال: تترقّى في علم النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و حفظ سنّته إلى أن تتصرّف فيه كما رأيت من تصرّفك في العظام، و تميّز صحيح الأحاديث عن سقيمها.
و رأى نوبة أخرى في المنام النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، فقال له: يا أبا حنيفة، أتي بك إلى الدنيا لإحياء سنّتي لا بقصد العزلة.
و كان من ورعه و احتياطه أنّ الشّعبيّ كان شيخه و قد صار شيخا له.
و كان قاضيا في زمن خلافة المنصور، و جمع المنصور جماعة الفقهاء و العلماء و أقرّ لبعض الخواص بالأملاك، و وقف على بعض، و أعطى بعضا، و رسم بكتابة صكوك، و بعث الخطوط إلى الشعبي، فكتب هو عليها، و حكم، و كذا جميع الحاضرين من الفقهاء، ثم انتهى الأمر إلى أبي حنيفة رحمه اللّه امتنع، و لم يكتب عليها شهادة، فألحّ عليه الخادم، قال أبو حنيفة: أين الخليفة؟ قال: في الدار. قال: إمّا إن يجيء إليّ الخليفة، و إمّا أن أمضي إليه، و أسمع منه. فعنّفه الخادم، و غلّظ في الكلام إلى أن سمع الخليفة، و سأل عن الحال، قالوا: كذا و كذا، بعثت إليه، لم لا تكتب و هم كتبوا؟ قال: لا بدّ من السماع من الخليفة. سأل الخليفة ذلك من الشعبيّ: هل هو شرط أم لا. قال:
نعم. قال الخليفة: و متى رأيتني أنت و سمعت منّي، و كتبت عليّ المكاتيب و حكمت؟ قال: ما رأيت و لا سمعت؛ و لكن علمت أنّ الخليفة قد أنشأ هذه التصرفات. قال الخليفة: هذا الكلام بعيد عن الحقّ، و هذا الشابّ يستحقّ القضاء.
ثم تفكّر الخليفة فيمن يولّيه القضاء، و يكون أهلا مستحقّا له، و بعد المشاورة استقرّ رأيه على أحد أربعة كانوا من فحول العلماء، بالغين درجة الاجتهاد، و هم: أبو حنيفة، و سفيان، و شريك، و مسعر بن كدام رضوان اللّه عليهم أجمعين، و على من تبعهم، فطلبهم الخليفة، و جمعهم عنده، لكن قبل أن يصلوا إليه، قال أبو حنيفة رضي اللّه عنه: أنا أقول بالفراسة كلاما: الخليفة دعانا لتولية القضاء، فأنا أدفع عنّي بحيلة، و سفيان يفرّ، و مسعر يظهر الجنون