تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١٠٢
فتقاطر من دموعه على رابعة. فظنّت أنه من المطر، و نظرت إلى فوق، و علمت أنّه من دموع عين الحسن، قالت: يا شيخ، هذا البكاء أظنّه من رعونات النفس[١]، فاجمعها في جوفك حتى تصير بحرا تطلب قلبك منه، و لا تجده إلّا عند مليك مقتدر. فانغاظ الحسن من هذا الكلام، إلّا أنّه كان ساكتا عن الجواب إلى أن رأته رابعة قد بسط سجادة على الماء، و جلس عليه. فقال: يا رابعة، تعالي لنصلّي هنا ركعتين. قالت: من أراد عرض الآخرة في سوق الدنيا ينبغي أن يكون بحيث يعجز عنه أمثاله، ثم رمت رابعة سجّادتها إلى الهواء، و صعدت إليها، و قالت: يا شيخ، تعال إلى هنا نصلّ؛ لئلا يرانا أحد. فسكت الحسن رحمه اللّه، لكن أرادت رابعة أن تطيّب خاطره، قالت: يا شيخ، الذي أنت فعلته تفعله السمك، و الذي أنا فعلت يفعله الذباب، و لكن لا بدّ من الاجتهاد في العمل
نقل أن الحسن البصري رحمه اللّه قال: كنت عند رابعة يوما و ليلة، و كنّا نتحدّث في الطريقة و الحقيقة، و لا يخطر ببالي أنّي رجل، و لا ببالها أنّها امرأة، ثم لمّا خرجت من عندها وجدت نفسي مفلسا، و وجدتها مخلصة
أقول: و هذا من كمال تواضع الحسن، فلا شكّ أنه يدلّ على كمال نفسه، إذ ليس شيء أضرّ للسالك من عجبه بنفسه. و لتعليم مقام التواضع كان النبيّ صلى اللّه عليه و سلم يقول فيما روي عنه: «لا تفضّلوني على يونس بن متى[٢]» مع أنه صلى اللّه عليه و سلم كان أفضل من يونس ٧، و من غيره من الأنبياء و المرسلين :، يؤيّده
[١] -في( أ): من دموعات النفس.
[٢] -لم أجده بلفظه، و قد روى البخاري في صحيحه ٥/ ٥٢ في الخصومات، باب ما يذكر في الأشخاص، و مسلم( ٢٣٧٣) في الفضائل، باب من فضائل موسى صلى اللّه عليه و سلم عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال:« لا تفضلوا بين أنبياء اللّه، فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السماوات و من في الأرض إلا من شاء اللّه، ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من يبعث، فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدري أحوسب بصعقة الطور، أم بعث قبلي؟ و لا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى».