تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١٣١
الجمد و دخل فيه، و برد برودة عظيمة إلى وقت السحر، و كاد أن يهلك، و كان يشتهي دفئا أو نارا[١]، فهو في ذلك الحال إذ رأى فروة على جسده، و ذهبت عنه البرودة، و نعست عيناه إلى طلوع الشمس، فلمّا أضاء العالم نظر فإذا الفروة التي لبسها تنينا عظيما مهيبا، و كلّ من عينيه كأنّها قصعة مملوءة من الدم، فهابه و قال: إلهي، أرسلت إليّ هذا في صورة اللطف، و أراه الساعة في صورة القهر و لا أطيقه، فذهب التنين في الحال بعد أن تمرّغ لديه في التراب و غاب.
و نقل أنه حين اطّلع عليه الناس، فرّ من المغارة، و قصد مكّة شرّفها اللّه تعالى و عظّمها، و بعد زمان كثير دخل الشيخ أبو سعيد الميهني[٢] رحمه اللّه في تلك المغارة، و قال: سبحان اللّه، لو كانت هذه المغارة مملوءة من المسك ما فاحت مثل ما تفوح الآن بسبب عبادة فتى فيها، فكأنّها امتلأت روحا و راحة.
و قصد إبراهيم البادية من خوف الشّهرة، و وصل إليه شخص من أكابر الدّين، و علّمه اسم اللّه الأعظم، و هو كان يذكر اللّه تعالى، و يدعوه بذلك الاسم، فلقي الخضر ٧، فقال له: يا إبراهيم، كان أخي إلياس الذي علّمك الاسم الأعظم. ثم جرى بينه و بين الخضر محادثات و مكالمات كثيرة.
و كان شيخه الخضر، فإنه أرشده أول الأمر كما مرّ بإذن اللّه تعالى.
و قال: حين كنت متوجّها إلى بيت اللّه تعالى الحرام، وصلت إلى ذات العرق[٣]، وجدت هناك سبعين إنسانا عليهم المرقعات، ماتوا كلّهم، و الدم يجري من أفواههم و آذانهم، فدرت حولهم، فإذا في واحد منهم رمق من الحياة، قلت له: ما هذه الحالة يا فتى؟ قال: يا بن آدم، عليك بالماء و المحراب لا تبعد منه غاية البعد لئلا تهجر، و لا تقرب أيضا غاية القرب لئلا تتعب، لا ينبغي لأحد أن يجترئ و يتهجّم على بساط السلاطين، افزع ممّن
[١] -في( ب): يشتهي دفءا نارا.
[٢] -في الأصل: أبو سعيد المهنوي. و انظر ترجمته صفحة ٧٤٩.
[٣] -ذات عرق: مهلّ أهل العراق، و هو الحدّ الفاصل بين نجد و تهامة. و قيل: عرق جبل بطريق مكة، و منه ذات عرق. معجم البلدان( عرق).