تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٧٦١
نفسي إلى أن حان وقت العصر، فإذا أنا أراه جائيا إلى العين، و قد حصلت لي جرأة، فقمت إليه، و تشبّثت بأذياله، و قلت: يا شيخ، أنا رجل تاجر من مدينة نيسابور، و قد تخلّفت من القافلة لنوم غلبني، و كم يوم أنا ضائع في هذه البادية! و هو مطرق رأسه، ثم قام و أمسك بيدي، و تماشينا خطوات، فرأيت أسدا عظيما طلع من البادية، و جاء إليه و خدمه، و تبصبص عنده، و وقف، فوضع فاه على أذنه، و قال معه شيئا، ثم أركبني عليه، و وضع شعور رقبته بيدي، و أمرني بإمساكها، و الاستمساك عليه، و قال: أينما يقف الأسد انزل.
و أمرني بإغماض العين، ففعلت كما أمر، و سار إلى ساعة ثم وقف، فنزلت، و رجع الأسد، فمشيت ساعة، فرأيت القافلة نازلة، ففرحت فرحا شديدا، و ذهبت معهم إلى بخارى، ثم رجعت إلى نيسابور، و لازمت دكّاني، و مضى عليّ سنون، ثم اتّفق أن كنت عابرا، فرأيت جماعة مجتمعة، و سألت عنهم، فقالوا: إن الشيخ أبا سعيد جاء، و يعظ الناس. فدخلت بين الجماعة، و نظرت إليه، فإذا هو الرجل الذي صادفته عند مضيعي في البادية، و أركبني على الأسد، و أنا في هذا التعجّب، فنظر إلي و قال: يا فلان، أما سمعت أن ما يروى في البوادي لا يذكر في العمران. فشهقت شهقة، و غاب عنّي عقلي، فما استفقت إلّا و قد تمّ المجلس، و عندي شخص من الفقراء يمسح وجهي، فذهب بي إليه، و أنا تمرّغت بين يديه، و قبّلت رجليه، و هو راعاني، و عهدت بكتمان هذا السرّ ما عاش الشيخ رحمه اللّه[١].
نقل أنه كانت بنيسابور امرأة جليلة عابدة زاهدة[٢]، و هي من أهل بيت الأكابر، و كانت مدة أربعين سنة ملازمة لبيتها بحيث ما طلعت منه قطّ، و لا خطت خطوة خارج البيت، و لها خادمة تقضي حوائج لها، و تدخل عليها إلى أن جاء الشيخ [فقالت لمربيتها يوما: انهضي و اذهبي إلى مجلس الشيخ][٣]
[١] -انظر أسرار التوحيد ٨٤ و ما بعدها.
[٢] -اسمها ايشني نيلي: أسرار التوحيد ٩٥.
[٣] -ما بين معقوفين مستدرك في أسرار التوحيد ٩٥.