تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٧٣
لي من يقضيها، فدخلت السّوق بتعب عظيم لأجله، و التقيت بحاكم البلد فيه، و معه ناس كثير من غلمانه و أجناده، فصاح رجل منهم عليّ و أمرني بالخروج عن الطريق، و لم يكن لي طاقة الخروج عنه مسرعا، فضربني بمقرعة، فقلت:
قطع اللّه يدك، فرأيته في اليوم الثاني قد قطعت يده.
و حكي أنّه كان له جار مفسد قبيح الخصال، و مالك كان يتأذّى منه و يتضرّر، و لكن كان يصبر و لا يظهر من ذلك شيئا حتى ظهرت حاله، و اشتكى الناس منه لسوء سيرته و قبح معاشرته، و كان رجلا جبّارا متمرّدا، فذهب إليه مالك رحمه اللّه ليأمره بالمعروف، و ينهاه عن المنكر، فلمّا سمع الرجل مقالة الشيخ، قال: أنا من المقرّبين في حضرة السلطان[١]، و من يستجري أن يقول في وجهي شيئا من هذا القبيل؟ قال الشيخ: نعرض أحوالك على السلطان. قال الرجل: السلطان لا يطلب مخالفتي. قال الشيخ رحمه اللّه: نشتكي منك إلى اللّه تعالى. قال: فإن اللّه أكرم من أن يؤاخذني بزلّاتي. فخرج مالك من عنده، و مضت أيام، و هو أفرط في الشرّ و الفساد و البغي و العناد، فجاء الجيران إلى مالك يشتكون منه، فذهب إليه مالك مرة ثانية للنصيحة، فسمع قائلا يقول:
صر يدك يا مالك من صديقنا و لا تؤذيه. فتعجّب مالك من هذه الحال، و ذهب إلى الرجل، فقال له الرجل: لم جئت؟ قال الشيخ: ما جئتك زاجرا، و حكى له الحكاية، فلمّا سمع الرجل الخبر قال: فالأولى أن أترك الدّنيا، فتركها و اشتغل بطاعة اللّه تعالى، و شرع في السفر و السياحة. قال مالك: رأيته بعد مدّة في مكّة، كأنه صار خلالا[٢] من الضعف، و ما بقي منه إلّا رمق، فلمّا رآني قال: لما قال الحبيب: أنا صديقه، فها أنا ذاهب إليه، و غمض عينيه، و راح إلى رحمة اللّه تعالى.
و حكي: أنه اكترى دارا بقرب دار يهوديّ، و محراب داره إلى باب اليهودي، فحفر اليهودي هناك جبّا حتى جعله مبرزا، على قصد إيذاء مالك،
[١] -في( أ): من المقربين عند السلطان.
[٢] -الخلال: العود الذي تخلّل به الأسنان، و الدبّوس.