تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٤٣١
و قال كلّ واحد منهم كلاما، فأشار السريّ إلى الجنيد، و قال: يا صبي، قل أنت أيضا في بيان الشكر شيئا. فقال الجنيد: الشّكر عبارة[١] عمّا إذا أنعم اللّه تعالى عليك بنعمة ألّا تجعل تلك النّعمة مادّة على المعصية[٢]، و أن لا تعصي اللّه تعالى فيها. فقال المشايخ: أحسنت يا قرّة عين الصدّيقين.
و اتّفقوا على أنّه لا يمكن أن يقال في تفسير الشكر أحسن ممّا قال.
فرجع إلى بغداد، و اشتغل ببيع الزّجاج.
و كان يدخل الدّكان، و يسبل سترا، و يدخل خلف السّتر، و يصلّي أربع مئة ركعة، فمضى على هذا زمان، ثم ترك الدّكان، و واظب على مجلس السريّ، و اشتغل بحراسة القلب، و اجتهد في أن لا يخطر بباله غير الحقّ، و عبر على هذه الحالة أربعين سنة.
نقل أنه ثلاثين سنة يصلّي العشاء، و يقوم إلى الصباح، و يقول: اللّه اللّه، و يصلّي بوضوء العشاء صلاة الصبح، فبعد أربعين سنة ظنّ أنّه قرب إلى المقصود، فسمع هاتفا يقول: جاء وقت أن نريك إيّاك. قال الجنيد: إلهي، و ما أذنب الجنيد؟ سمع نداء: يا جنيد، على ذنب أعظم من أنّك ترى لك وجودا!.
أقول: نظيره ما قيل: وجودك ذنب لا يقاس به ذنب، و اللّه أعلم.
فتأوّه الجنيد، و سكت و أنشد:
|
من لم يكن للوصال أهلا |
فكلّ إحسانه ذنوب |
|
و كان طول الليل قائلا: اللّه، اللّه. حتى وقعت الناس فيه، و شرعوا في الطعن، و أوصلوا حاله إلى الخليفة، و التمسوا زجره، و الخليفة يقول: كيف نحكم فيه بلا حجّة و نمنعه بلا علّة؟ قالوا له: إنّ الناس مجتمعون عليه، و يغترّون بكلامه. و كانت للخليفة جارية جميلة حسناء مشتراة بثلاثة آلاف، و لم
[١] -في( ب): الشكر عبادة.
[٢] -في( أ): مادة للمعصية.