تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٥٨٠
أبي الحسن رحمه اللّه زائرا له، و نزل خارج القرية، و بعث إليه شخصا، و أمره أن يقول للشيخ: إن السلطان قطع منازل، و جاء إليك، فعليك أن تأتي إلى خيمته من بيتك، و إن لم يقبل، تقرأ عليه هذه الآية أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩] فلمّا اطّلع على المقصود، تبرّم عن الذهاب إليه، و اعتذر، فقرأ عليه الرجل الآية، قال الشيخ: قد استغرقت في أَطِيعُوا اللَّهَ بحيث ما أتفرّغ إلى وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ و حصل منه خجالات، فكيف ألتفت إلى وَ أُولِي الْأَمْرِ؟ فرجع الرجل، و أخبر السّلطان بما سمع، فرقّ قلب السلطان، و قال: قوموا نذهب إليه؛ فإنّه ليس ممّا ظننّاه. فألبس ثيابه و زيّه مملوكه الذي يسمّى إياسا، و قدّمه، و هو يمشي خلفه على هيئة الغلمان، و معه جماعة من الغلمان و العبيد و الجواري، فدخل إياس على هيئة السّلطان، و سلّم، فردّ الشيخ الجواب، و لم يقم، و لا التفت إلى إياس؛ بل نظر إلى السّلطان، و عرفه بنور الفراسة، و أمسك يده، و أجلسه في جنبه، ثم محمود التمس منه شيئا من كلمات أبي يزيد، قال الشيخ:
مر هذه الجواري ليخرجن من المجلس؛ فإنّهن أجنبيات. قال: قال أبو يزيد رحمه اللّه: من رآني فقد نجا عن رقم الشّقاوة. قال محمود: يلوح عن هذا الكلام أنّ أبا يزيد يكون أفضل من النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، لأن أبا لهب و أبا جهل و غيرهما من الكفّار رأوا النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و لم يأمنوا من الشقاوة؟ فقال الشيخ: لا نتخطّ الأدب، ما رأى النبيّ أحد غير أصحابه، و الكفار ما رأوه، و إن كانوا يبصرونه، و الدليل عليه قوله تعالى: وَ تَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لا يُبْصِرُونَ [الأعراف: ١٩٨].
أقول: معنى قول أبي يزيد (من رآني فقد أمن من الشقاء) أنه من رآه كما رأى أصحاب النبيّ ٧ إيّاه. أي: اعتقدوا فيه، و قبلوا كلامه، و اقتدوا به في جميع أفعاله و أحواله، و امتثلوا أوامره و نواهيه، و استرشدوا بإرشاده، و أكبّوا على ما أمرهم اللّه من الطاعة و العبادة، و وافقوه في الرّياضة و المجاهدة، و استمرّوا على جميع ذلك، حتى خرجوا من الدنيا، و هم على ذلك، فلا شكّ أنهم آمنين و ناجين[١]، فكذلك حال أصحاب أبي يزيد معه، يؤيّده ما روي
[١] -كذا الأصل.