تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٢٥٩
و يترك، و شريك يصير قاضيا. صار الأمر كما قال، أما سفيان فقد هرب في الطريق، و ركب زورقا، و عبر دجلة، و قال: اخفوني، إذ قصدوا ذبحي، و أراد بذلك مضمون قول النبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين[١]»، فأخفاه الملّاح، و وصل الثلاثة الباقية إلى الخليفة، فتوجّه الخليفة إلى أبي حنيفة رضي اللّه عنه، و عرض عليه القضاء، فقال أبو حنيفة رضي اللّه عنه:
يا أيّها الخليفة، ما أنا من أشرف قبيلة في العرب، و لعلّ الناس لا يرضون بحكمي، و لا ينقادون لي. قال الخليفة: القضاء لا يتعلّق بالنسب؛ بل بالعلم و الأدب. قال أبو حنيفة رضي اللّه عنه: الصحيح أني لا أليق بهذا المنصب و لا أستحقّه، فإن كنت صادقا في هذا الكلام فذاك، و إن كنت كاذبا فبالكذب صرت فاسقا، و الفاسق لا يجوز أن يولّى القضاء، و أنت الخليفة عليك أن تحكم بين المسلمين بالحقّ، فكيف يسوغ لك، و يحلّ من اللّه أن تجعل الكاذب قاضيا بين المسلمين، و تسلّم إليه دماء المسلمين و فروجهم و أموالهم.
فأنجاه اللّه تعالى بهذه الحيلة، و لمّا التفت إلى مسعر، قال: كيف أنت يا خليفة؟ و كيف أهلك و عيالك و دوابك؟ قال الخليفة: هذا مجنون، أخرجوه.
ثم قيل لشريك: اقبل القضاء. قال: أنا رجل سوداويّ المزاج، و دماغي ضعيف. قال الخليفة: لا بدّ أن تصير قاضيا، و دماغك قابل للعلاج، فعالجه.
فصار قاضيا، و هجر الخليفة أبا حنيفة، و ما حدّثه ما عاش.
نقل أنه سأل شخص من أكابر الدّين[٢]: هل يجوز أن يظهر أثر معجزة النبيّ صلى اللّه عليه و سلم في شخص من أمّته؟ قال: نعم. قال السائل: من هو ذلك؟ قال: انظر إلى أبي حنيفة، فإنّه حفظ القرآن و هو ابن سبع، و حصل له علم و أدب تامّ و هو ابن عشر، و حفظ ثلاثين ألفا من أحاديث النبي عليه الصلاة و السلام و هو ابن خمسة عشر، و حينئذ ميّز الصحيح عن السقيم، و استنبط مئتين و ستين ألف
[١] -رواه أحمد في المسند ٢/ ٢٣٠، و النسائي في سننه الكبرى( ٥٩٢٤)، و أبو يعلى في مسنده( ٦٦١٣)، عن أبي هريرة.
[٢] -في( أ): سأل شخص من أحد من أكابر.