تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١٨٦
بزاقة تجاه القبلة، فانصرف أبو يزيد، و لم يسلّم عليه، و قال: هذا غير مأمون على أدب من آداب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فكيف يكون مأمونا على ما يدّعيه[١]؟
نقل أنه حمل زاده في طريق الحجّ على بعير، فقال شخص: سبحان اللّه، بعير ضعيف، و حمل ثقيل، هذا ظلم ظاهر، و قال مرات. فقال أبو يزيد:
انظر. فلمّا نظر رأى الحمل مرفوعا عن ظهر البعير مقدار شبر، و البعير يمشي تحته خفيف الظهر، ثم قال: شأني عجيب، إن أفشيت حقيقة حالي فلا طاقة لكم بذلك، و إن أخفيها تطوّلون ألسنتكم بالطعن فيّ.
نقل أنه بعد زياة قبر النبيّ صلى اللّه عليه و سلم أمر بزيارة أمّه، فتوجّه إلى بسطام في جماعة، و سمع أهل بسطام أنّه جاء، فاستقبله خلق كثير، و علم أبو يزيد رضي اللّه عنه أنّ مراعاة الناس و ملاقاتهم تمنعه عن الحقّ، فأخذ رغيفا، و اشتغل بالأكل، و كان في رمضان، و قصد الرّخصة بذلك، فأنكره الخلق و تركوه، فقال لأصحابه:
رأيتم أنّي عملت بمسألة من الفقه، فلذلك أنكرني الناس و ردّوني، اصطبر إلى الليل. فدخل المدينة ليلا، و جاء إلى باب دار أمّه، و استرقّ السمع، فإذا أمّه تتوضّأ و تقول: إلهي، طيّب حال غريبي، و احفظه في غربته، و طيّب عنه قلوب المشايخ. فغلب البكاء على أبي يزيد، و دقّ الباب، فقالت أمّه: من أنت؟
قال: غريبك. فشهقت أمّه شهقة، و فتحت الباب، و قالت: يا طيفور، ضعفت باصرتي من كثرة البكاء في فراقك، و انحنى ظهري من كثرة البليّات و الأحزان؛ و لكن الحمد للّه الذي رزقني وصالك.
نقل أنه قال: ما ظننت أنّه بعد جميع الأعمال، فهو قد كان مقدّما عليه، و ذلك رضا الوالدة، قال: حتى أنا ما كنت أطلبه في الرياضات و المجاهدات و الغربة وجدته في أنّ والدتي طلبت منّي الماء في بعض الليالي، ذهبت إلى
[١] -روى البخاري في صحيحه( ٤٠٥) في الصلاة، باب ما جاء في القبلة، و مسلم( ٥٥١) في المساجد، باب النهي عن البصاق في المسجد، و النسائي ١/ ١٦٣، ٢/ ٥٢ عن أنس رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه:« إنّ أحدكم إذا قام في الصلاة فإنّما يناجي ربّه، فإن ربّه بينه و بين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته ..».