تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٤٧٧
و قال: مضي عليّ أربعون سنة ما ورد عليّ حال أكون كارها له، حتى نقل عنه أن شخصا من المنكرين دعاه إلى بيته باسم الضيافة، فلمّا وصل إلى الباب، قال له: يا عبد البطن، ارجع؛ ليس هنا شيء تأكله. فرجع، ثم عدا خلفه، و صاحه و ردّه، فلمّا وصل إلى الباب قال: لك جدّ عظيم في الأكل، و ليس هنا شيء تشبع به. فرجع، ثم سعى خلفه، و قال: يا شيخ، ارجع. فرجع، فلمّا وصل إلى الباب قال: إن تأكل الحجر فتعال، و إلّا فارجع. و هكذا إلى أربعين مرة، و لم يتغيّر أصلا، ثم تمرّغ الرجل بين يديه، و تاب، و صار تلميذا له، و تعجّب من حلمه و سكونه. فقال أبو عثمان: هذا أمر هيّن، فإنّ الكلب كلّما تطرده يرجع، و إذا تدعوه يجيء إليك، و لكنّ شغل الرجال شيء آخر.
نقل أنه كان يعبر في بعض الطرق، و معه جماعة من أصحابه، فجاء شخص على طرف سطح، و نثر عليه طستا من الرّماد، فغضب أصحابه لذلك، فقال أبو عثمان رحمه اللّه: لا تغضبوا؛ فإن هذا مقام الشكر، إذ من كان مستحقّا للنار قد صالحوا معه بالرماد.
قال أبو عمرو: إني تبت في ابتداء أمري في مجلس أبي عثمان، و كنت على التوبة مدّة، ثم نقضت التوبة، و اشتغلت بالمعاصي، و أعرضت عن مجلس الشيخ، و كنت إذا ألتقي به في الطريق أهرب عنه، حتى التقاني يوما، و قال:
يا ولدي[١]، لا تجالس مع الأعداء إلّا إذا كنت معصوما؛ فإنّهم يفرحون إذا اطّلعوا على بعض عيوبك، و يتحزّنون إذا وجدوك معصوما منها، فإن أردت أن يصدر منك معصية، فتعال إلينا، فإنّا نحمل بلاءك، و لا تفرح بك أعداءك.
قال: فلمّا سمعت كلام الشيخ برد قلبي عن المعاصي، و شبعت منها، و تبت توبة نصوحا.
نقل أنه كان يمضي في بعض الطّرق، فاستقبله شابّ عيّار سكران، و معه رباب، فظنّ أنّ الشيخ ينهره عن ذلك و يزجره، فستر الرباب في كمّه، و أراد أن
[١] -في( أ): يا وليّ.