تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٢٨٨
الكلام هو هذا، و لم يذكره، حتى قيل له: كلاهما من العلماء الكبار، لم تعزّز أحدهما دون الآخر، و لا تنظر إلى وجهه أيضا؟ قال: لأنّ محمد بن الحسن دخل المدرسة، و اشتغل بالعلم من النعمة و الجاه، و جعل العلم سببا لعزّة دينه، و أمّا أبو يوسف فإنه اشتغل بالعلم من الذلّة و المسكنة، و جعل العلم رأس ماله في دنياه، و سببا للعزّ و الجاه فيها، فكيف يكون أبو يوسف مثلا لمحمد، و أيضا ضرب أستاذنا أبو حنيفة رضي اللّه عنه بالمقرعة، و لم يقبل القضاء، و قبله أبو يوسف، و من لم يسلك طريق شيخه، و خالفه، فأنا لا أتكلم معه
نقل أن هارون الرشيد قال لأبي يوسف، و التمس منه أن يذهب به إلى داود الطائي ليتشرّف بزيارته، فجاء إلى بابه، و لم يجد إليه سبيلا، فاستشفع بأمّه، فشفعت، و ما كان يقبل، و يقول: مالي و صحبة أهل الدنيا و الظلمة؟! حتى قالت أمّه: بحقّي عليك ألا تأذن له في الدخول. قال: إلهي، أنت أمرتني بالإحسان إلى الوالدة و إرضائها، و إلّا ما كان لي شغل مع هؤلاء. فأذن لهم في الدخول عليه، فدخلوا، و جلسوا، و هو افتتح بالنصيحة و الوعظ، و شرع هارون يبكي، و لمّا أراد الرجوع حطّ عنده صرّة من الذهب، و قال: هذا حلال، أرجو منك أن تقبلها. فلم يقبل. و قال: بعت بيتا من تركة أبي، و أنفق الثمن عليّ، و ليس لي حاجة إلى مالك، و قد سألت اللّه تعالى أن يقبض روحي إذا تمّ ثمن البيت؛ لئلا أحتاج، و أنا أرجو أن يصير دعائي مستجابا. فرجع هارون، و سأل أبو يوسف من وكيل خرجه: كم قد بقي من ثمن البيت؟ قال: عشرة دراهم، و نفقته كلّ يوم دانق. و كان أبو يوسف يحاسب ذلك، حتى أنه أسند ظهره إلى المحراب يوما، و قال: اليوم توفّي داود، تفحّصوا. فكان كذلك، قيل: بم أدركت؟ قال: حسبت نفقته، و علمت أنّها تمّت اليوم، و لا شكّ أنّه كان مستجاب الدعاء.
سألوا عن أمّه حال وفاته، قالت: كان يصلّي طول الليل، ففي آخره سجد و لم يرفع رأسه من السجود، قلت: يا ولدي، وقت الصلاة. فلم يجب، فالتفتّ إليه، فإذا هو ميت.