تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٨٣
فأعطاه ملحفة امرأته، و جاء آخر فخلع قميصه و أعطاه، و بقي عريانا، فذهب إلى ساحل الفرات، و بنى صومعة هناك، و اشتغل بالعبادة ليلا و نهارا، و كان يأتي إلى الحسن البصري رضي اللّه عنه في بعض الأوقات و يتعلّم منه القرآن، و كان بليدا؛ و لذا سمّي بالعجمي، فلمّا مضى عليه زمان من الدهر صار فقيرا في غاية الفقر و الفاقة، و امرأته كانت تطلب النفقة، و اضطربت أحواله، و انقطعت عن الدنيا آماله، فخرج من بيته متوجّها إلى صومعته، و اشتغل بالعبادة إلى الليل، ثم رجع إلى البيت، فقالت المرأة: أين كنت؟ و بأيّ شيء اشتغلت؟
قال: أعمل لشخص عملا. قالت: و أين الأجرة؟ قال: الذي أعمل له كريم استحييت أن أطلب منه الأجرة، إلّا أنه سيعطينا دفعة واحدة، و سمعت أنه يعطي في كلّ عشرة أيام. و كذلك كان يتردّد إلى صومعته، و يشتغل بالعبادة حتى تمّت العشرة، وقع في اليوم العاشر بعد الظهر في باله: أنا في هذه الليلة بأيّ شيء أذهب إلى البيت؟ و ماذا أقول لهم؟ و كيف أعتذر لديهم؟ و غرق في بحر الفكر متوجّها إلى اللّه تعالى، إذ جاء في تلك الساعة جماعة إلى باب داره، و مع كلّ واحد شيء من أسباب النفقة من الدقيق و اللحم، و السمن و العسل، و ما لا بدّ منه، و يحتاج إليه من جهة المعاش، و معهم شابّ صبيح الوجه، كأنّ وجهه القمر، و معه صرّة من الدراهم، و دقّ الباب، فجاءت امرأة الحبيب إلى الباب، فقال لها الشاب: بعث لكم هذه الأشياء الكريم الذي يعمل له حبيب كلّ يوم، و يقول: قولي لحبيب: زد أنت في العمل، و نحن نزيد لك في الأجرة، فكلّما تزيد نزيد. و حطّوا أحمالهم و مضوا، ثم حبيب صبر في الصومعة إلى أن جنّ عليه الليل، فقام متفكّرا خجلا، و قصد البيت يقدّم رجلا و يؤخّر أخرى، قائلا في نفسه: ماذا أقول لأهلي؟ و كيف أعتذر عندهم؟ فلمّا بلغ باب البيت اشتمّ من الداخل رائحة الطعام المطبوخ، فدقّ الباب، و استقبلته امرأته في غاية الفرح و السرور، و قالت: إنّ الكريم الذي تعمل له أكرمك و أحسن إلينا، و بعث لنا كذا و كذا، و قال: قولي لحبيب: كلّما تزيد في العمل، نحن نزيد في أجرك.
فتحيّر حبيب و تعجّب من ذلك، و قال: ما عملت عشرة أيام، فإنّه تعالى قد