تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٥٠٦
فعلّمه صنعته، و من يقول له: خير، كان يقول: لبيك، إلى أن رأى صدقه و ديانته، و أدبه و طاعته و فراسته، و اطّلع على بعض مجاهداته و طاعاته و عباداته، فندم من فعله، و علم أنّه غالط فيه، و قال: يا خير، علمت أنّك حرّ، ما أنت مملوكا لي و لا لغيري، فاذهب إلى ما تريد. فذهب إلى مكّة، و ترقّى إلى أن قال الجنيد رحمه اللّه: خيرنا خيرنا.
و كان يحبّ أن يسمّى خيرا، قال: لا أحبّ أن أغيّر اسما سمّاني به مسلم.
نقل أنه رحمه اللّه كان ينسج و يمشي في بعض الأوقات إلى جنب دجلة، و اتّفق أن جاءت عجوزة إليه بشيء من الغزل لينسجه لها كرباسا[١]، و قالت:
أجيء بالأجرة، فإن لم تكن حاضرا إلى من أسلّم الدراهم؟ قال خير رحمه اللّه:
إذا لم أكن حاضرا، ارميها في دجلة. فجاءت العجوزة بالدراهم، و لم يكن خير حاضرا، فذهبت إلى دجلة فرمتها فيها، ثم ذهب خير إلى دجلة، طلعت سمكة، و جاءت بالدّراهم، و وضعتها بين يدي الشيخ.
قال الراوي: لمّا سمع المشايخ هذه الواقعة ما استحسنوها، و قالوا: قد أوقفوا خيرا باللعب، فإن مثل هذا ليس مما يغترّ به وليّ من الأولياء.
قال بعضهم معتذرا من جهة خير: إنّا لا نعلم اغترار خير بهذا، كما أنّ سليمان ٧ دعا اللّه تعالى و قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص: ٣٥] مع أنه ٧ لم يكن مغرورا بما أعطاه اللّه تعالى من الملك و الحشمة و السلطنة.
نقل أنه قال: كنت في البيت إذ خطر ببالي أنّ جنيدا رحمه اللّه هو على الباب، فنفيت الخاطر إلى ثلاث مرات، ثم خرجت، فالتقيت بالجنيد واقفا على الباب، و قال لي: لم ما خرجت بالخاطر الأول؟.
قال: دخلت مسجدا، و رأيت فيه فقيرا، فتعلّق بي، و قال: يا شيخ، ترحّم عليّ، فإنّي قد وقعت في محنة عظيمة. قلت: و ما هي؟ قال: أخذوا البلاء
[١] -الكرباس: ثوب من القطن الأبيض. فارسيّ معرب. معجم متن اللغة.