تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١٠٠
فتقلقلت رابعة، و اضطربت عليها الأحوال، و قالت: إلهي، لا تتركني في بيتي و لا في بيتك! إمّا اتركني في بيتي في البصرة[١]، و إمّا يسّر لي طريقا إلى بيتك بمكّة، فأنا في أوّل الأمر، ما كنت راضية بالبيت، بل كنت أطلب ربّ البيت، و الآن فلا طريق لي إلى البيت أيضا، ثم رجعت إلى البصرة، و سكنت في صومعتها
و نقل أنه جاء إليها شخصان من الأكابر زيارة لها، و لهما رغبة في طعام، فقال أحدهما للآخر: لعلّها تطعمنا شيئا. فلمّا جلسا عندها، جاءت إليهما برغيفين كانا عندها، ففرحا بذلك، و شرعا في الأكل، إذ جاء سائل بالباب، فأخذت الرّغيفين، و أعطتهما إيّاه، فتعجّب الضيفان من ذلك الفعل، و لكن سكتا، فبعد ساعة جاءت جارية، و أتت لها بخبز كثير طريّ، و قالت: سيدتي بعثت لك[٢]. فعدّته رابعة، فإذا هي ثمانية عشر، فردّته على الجارية، و قالت:
ليس هذا بتمام ما بعثته سيدتك. فبالغت الجارية معها لتقبلها و ما قبلته، فأخذت الجارية الخبز، و خرجت من عندها، ثم رجعت به، فعدّته رابعة، فإذا هو عشرون، فقبلته، و قالت: هذا الذي بعثت إليّ. و قدّمته إلى الضيفين، و هما في التعجّب من أحوالها و أفعالها، فشرعا ثانيا يأكلان، ثم سألاها عمّا جرى بين يديهما من الأوّل إلى الآخر من الأسرار، و قالا: اشتهينا الخبز الأول، و ما تركتيه لنأكل منه، ثم عددت الخبز الذي جاءت به الجارية، ثم قبلت ثانيا بعد العدّ، و قلت أولا: ليس هذا الخبز بتمام، و في المرّة الثانية قلت: هذا تمام. قالت: فحين دخلتما عليّ علمت أنّكما جائعان، قلت في نفسي: كيف أقدّم رغيفين إليكما؟ فلمّا جاء السائل أعطيتهما السائل طمعا في أن يعوّضني اللّه تعالى عن كلّ واحد عشرة؛ لأني تيقّنت قول اللّه تعالى و وعده: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [الأنعام: ١٦٠] فجاءت الجارية بثمانية عشر، علمت أنّها أخذت رغيفين، فلمّا جاءت ثانيا بعشرين علمت أنها حقّي، فقبلتها لذلك.
[١] -في( أ): إما اتركني في البيت الذي كان لي بالبصرة.
[٢] -في( ب): سيدتي بعث لك.