تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٤٤٠
أنتظرك، فلم تأخّرت؟ علمت أنّه كان سبب تشوّش بالي، و اضطرابي في الصلاة، قال: ماذا تقول: متى يصير داء النفس دواء لها؟ قلت: إذا خالفتها يصير دواءها. فقال: يا نفس، كم سمعت منّي هذا الجواب، فاسمعي من الجنيد أيضا. ثم ذهب و غاب، و ما علمت أنه من كان، و من أين جاء، و إلى أين ذهب.
نقل أنه سمع أن في قلّة الجبال راهبا في صومعة، و هو يخبر عن المغيّبات، فذهب إليه الجنيد في جماعة من الأصحاب قاصدا لإسلامه، فلمّا قرب منه، طلع الراهب من صومعته، و قال: لا تجئ إليّ؛ فإنّي لا أقبل كلامك. ثم قال:
تعال، فتعجّب الجنيد عن هذا الحال، فمضى إليه، و قال الراهب: اعرض عليّ الإسلام. فعرض الجنيد، و أسلم الراهب، ثم سأله الجنيد عن المنع أولا، ثم الطلب ثانيا، قال: نفسي منعتني أولا من الإسلام لأنّي عرفت بالفراسة أنّك قصدت إسلامي، فلا جرم منعتك، ثم قلبي وافقني، و خالف النفس، و أمرني بالإسلام، فلذا طلبت منك المجيء.
نقل أنّ علي بن سهل كتب إلى الجنيد: أنّ النوم غفلة، و لا ينبغي للمحبّ أن ينام، لأنّه حال النوم يغفل عن المقصود، و عن وقته، مصداقه ما أوحى اللّه تعالى إلى داود ٧: يا داود، كذب من ادّعى محبّتي ثم نام بالليل، و غفل عنّي و عن محبّتي.
فكتب الجنيد الجواب: أنّ اليقظة معاملتنا في طريق الحقّ، و نومنا فعل الحقّ جلّ جلاله فينا، فاختيار الحقّ يكون خيرا من اختيارنا، و النوم موهبة من اللّه تعالى على المحبّين.
قيل: العجب أن الجنيد رحمه اللّه كان من أهل الصّحو، و رجّح في هذه المكاتبة السّكر؛ لعلّه أراد به ما ورد في الحديث: «نوم العالم خير من عبادة الجاهل»[١].
[١] -هذا الحديث لم أجده في المصادر التي بين يدي.