تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١٩١
ثم أرسل إليه يحيى، و قال: لي معك سرّ، و لكن موعدنا الجنة، تحت شجرة طوبى. و بعث له رغيفا هدية، و قال: عجنته بماء زمزم. فكتب أبو يزيد في الجواب، و أشار إلى السرّ الذي كتمه يحيى، و قال: أيّ موضع يكون هو مذكورا فيه فهو الجنة[١]، و هناك فيء طوبى، و ما أكل ذلك الرغيف، و قال: ذكرت الماء الذي خمّرت به، و ما ذكرت من أيّ بذر حصّلته! فازداد اشتياق يحيى إليه، و قصده، و جاء إليه، فوصل عشاء، و قال: لا أريد أن أشوّش عليه الليلة، و ليس لي اصطبار إلى الصباح، فسأل عنه، قالوا: هو في الصحراء. قال: ذهبت إليه، فإذا هو قد صلّى صلاة العشاء، و قام على أصبعين إلى الصباح[٢]، و أنا متعجّب عن هذا الحال، و هو مشغول بحاله إلى الصباح، فلمّا طلع الفجر، قال: اللهم، إنّي أعوذ بك أن أسألك هذا المقام. قال يحيى: فتقدّمت إليه، و سلّمت عليه، و سألته عن وقائع الليلة، قال: عرض عليّ نيف و عشرون مقاما و ما قبلتها، و قلت: كلّها حجاب، كان يحيى مبتدئا و أبو يزيد منتهيا. فقال له: يا شيخ، لو لا سألت من اللّه تعالى المعرفة، و هو مالك الملوك، و قد قال: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠]؟ فشهق أبو يزيد و قال: اسكت يا شيخ؛ فإني يحصل لي غيرة على أن أعرفه، و إني أريد أن لا يعرفه غيره، ثم قال أبو يزيد رضي اللّه عنه: لو رزقت صفوة آدم، و قدس جبريل، و خلّة إبراهيم، و شوق موسى، و طهارة عيسى، و محبّة محمد : عليك أن لا ترضى بها؛ فإنّ ما وراء ذلك منازل و مقامات، كن صاحب همّة، و لا تغترّ بمقام من المقامات، فإنك لو قنعت بمقام رضيت و سكنت فيه صرت محجوبا به[٣].
أقول: هذا الكلام إشارة إلى أن مقامات المعرفة لا نهاية لها، و ليس للسالك أن يقنع بمقام دون مقام، إذ ما من مقام إلّا و فوقه مقام آخر، و بهذا يؤوّل ما ورد
[١] -في( أ): أي موضع يكون هنا مذكور فيه، فهو الجنة.
[٢] -انظر الحاشية-صفحة ٧٥٧.
[٣] -جاء في هامش( أ): نعوذ باللّه تعالى من الاجتهاد، مثل هذه الأقوال السخيفة، و لا حول و لا قوّة إلا باللّه.