تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٥٣
المفخمة، و لا ينفع فيك حيلة و لا تدبير، و السلام عليك إلى سنة أخرى، و يرجع.
فلمّا سمع الحسن هذا الكلام من الوزير، و عرف هذا المعنى و أثّر في قلبه تأثيرا بليغا، فعزم في الحال على الرجوع، و رجع إلى البصرة، و حلف أن لا يضحك في الدنيا حتّى يتحقّق عاقبة أمره، و اجتهد في العبادة، و اشتغل بالمجاهدة إلى حدّ لم يمكن فوقه لم يتيسّر لأحد مثله، حتى حكي أنه ما نقض الوضوء[١] إلّا في الخلاء سبعين سنة، و بالغ في العزلة عن الخلق حتى قطع آماله عنهم، لا جرم فاق الجميع.
و حكي أنّ رجلا قام في مجمع و قال: لم تفوّق علينا الحسن، و ارتفع شأنه؟
و كان واحد من الأكابر حاضرا هناك، فقال: لاحتياج الكلّ إلى علمه، و هو لا يحتاج إلى أحد مقدار شعيرة، و الكلّ محتاج إليه في الدين، و هو فارغ من دنياهم؛ لأجل هذا صار مقتدى للجميع.
نقل: أنّه كان يعظ الناس في أسبوع مرة، فلو أنّه حضر المجلس للميعاد، و لم تكن رابعة العدوية حاضرة لترك الوعظ، فقيل له: يا شيخ، كم يحضر من الأكابر و الأشراف! و لا تشتغل بالوعظ لهم، و تشتغل به لأجل امرأة مقنّعة! فقال: لأنّا نحصّل شرابا للفيل، فكيف نصبّه في حوصلة البغاث[٢]؟!
و قيل: إنّه حين يشتدّ الحال على الحاضرين بحيث تكاد أفئدتهم تحترق، و أعينهم تفيض دموعا كان يتوجّه إلى رابعة، و يقول: يا مقنّعة، هذا من جمرات قلبك.
قيل له: ما الإسلام؟ و من المسلم؟ قال: الإسلام الذي ذكروه في الكتب الفقهية، و المسلمون تحت التراب.
[١] -في( أ): حتى ما كان ينقض الوضوء.
[٢] -كذا في الأصلين، و في المطبوع المترجم صفحة ٢١٦: يقول: إننا لا نستطيع صبّ الحساء- التي تكون قد أعددناها من أجل حوصلة الأفيال- في صدور النمل.
و البغاث: طير ضعيف صغير.