تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٢٩٧
قال: صادفت بمكّة[١] رجلا لا يطعم شيئا إلّا أنه يشرب الماء من زمزم، قلت له: إن نشف زمزم ماذا تأكل و تشرب؟ فقام الرجل و قال: جزاك اللّه خيرا، هديتني إلى الطريق، فإنّي كنت عابد زمزم منذ سنين. و ذهب
قال أحمد بن أبي الحواري: كان أبو سليمان رحمه اللّه إذا أحرم للحجّ لا يقول عنده لبّيك، سألته عن ذلك، قال: إنّ اللّه تعالى أوحى إلى موسى ٧ أن: قل للظالمين من أمّتك لا يذكروني، فإنّ الظالم إذا ذكرني، أنا أذكره باللّعن. و أيضا سمعت أنّ من أنفق في طريق الحجّ من الشّبهة، ثم يقول:
لبّيك، يقال: لا لبيك و لا سعديك، حتى تردّ ما في يدك.
نقل أن ابن الفضيل ما كان يطيق سماع آية العذاب، سئل ذلك عن الفضيل، و قيل: إنّ ابنك بلغ من الخوف إلى هذا الحد! قال: لكثرة الذنوب. ثم بلغ هذا الكلام إلى أبي سليمان، قال: لا شكّ أنّ كثرة الخوف من كثرة الذنوب
أقول: إنّهم عسى يعدّون التقصير في العبادة من الذنوب، و لا خفاء في أنّ العبد لو صرف[٢] غاية جهده و وسعه في عبادة اللّه تعالى، فهو بعد مقصّر فيها، و ذلك لأنّ العبادة ينبغي أن تكون على وجه يليق بكبرياء اللّه تعالى، أو في مقابلة نعم اللّه تعالى على العبد، و لا شكّ أن طاقة البشرية عاجزة عند هذا المقام؛ لأن اللّه تبارك و تعالى أعزّ و أجلّ و أعظم من أن يليق بجناب كبريائه عبادة الثقلين، فكيف أنت بعبادة إنسان واحد! و نعمه تعالى أيضا على كلّ من عبيده أكثر من أن تحصى، و أجلّ من أن تستقصى حتى يمكن مقابلة شيء منها بعبادة العبد، و هذا لأن التوفيق للعبادة أيضا نعمة، فلا بدّ من عبادة أخرى في مقابلة التوفيق، و يحتاج العبد إلى توفيق آخر لهذه العبادة، و هذا التوفيق أيضا نعمة يجب على العبد مقابلتها بعبادة أخرى، و لا بدّ لهذه العبادة من توفيق آخر، و هلّم جرّا، فعلمنا أنّ العبد يعجز عن مقابلة نعم التوفيق بالعبادة، فما ظنّك
[١] -في( ب): صادقت بمكة.
[٢] -في( أ): العبد و إن صرف.