تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٨٦١
و ذات مرة جاء تاجر غنيّ لزيارة رابعة، فرأى بيتها و هو يتداعى، فأعطاها ألف درهم من الذهب، و أهداها بيتا جيدا. فذهبت رابعة إلى البيت، و لم تكد تستقرّ فيه حتى استغرقت في تأمّل الصور التي فيه؛ فقالت في الحال، و هي تعيد إلى التاجر الألف درهم من الذهب: أخشى أن يتعلّق قلبي بهذا البيت، فلا يعود في استطاعتي أن أشغل نفسي بعمل الآخرة، إنّ كلّ رغبتي في أن أفرغ لعبادة اللّه تعالى.
و يحكى: أن عبد الواحد بن زيد، و سفيان الثوري ذهبا يوما لزيارة رابعة، فلمّا أبصراها أخذهما الإجلال لها، فأرتج عليهما، و أخيرا قال سفيان: أي رابعة، ادعي اللّه حتى يخفّف آلامك. فسألته: يا سفيان الثوري، من بعث إليّ بهذه الآلام؟ فأجاب: إنه اللّه تعالى. فقالت: إذا كانت مشيئة اللّه أن يمتحنني بهذه المحنة، فكيف أتوجّه إليه متجاهلة إرادته؟
و قال لها سفيان أيضا: أي رابعة، ماذا يودّ قلبك؟ فأجابت: يا سفيان، و أنت الرجل العليم، كيف تنطق بهذه العبارات؟ إنّ اللّه تعالى يعلم أنّ قلبي يريد منذ اثنتي عشرة سنة بلحا ناضجا، و هو ليس بنادر في البصرة، و مع هذا فقد بقيت حتى اليوم لا آكل منه، لست إلّا عبدة، و ليس لي أن أتصرّف وفق أهواء قلبي، لأنّي إذا أردت و لم يرد هو لكان هذا منّي جحودا. فقال سفيان: لكن، لست بقادر على أن أحدّثك في شؤونك؛ لكن حدّثيني أنت عن شؤوني. فقالت رابعة: لولا ميلك إلى هذه الدنيا لكنت رجلا لا غبار عليك. قال سفيان:
فصرخت باكيا: إلهي، ليتك ترضى عنّي. فقالت رابعة: ألا تخجل من أن تقول للّه: ليتك ترضى عني دون أن تفعل شيئا لرضاه؟
و يروى: أنّ مالك بن دينار قال: ذهبت إلى رابعة، فوجدتها تشرب من جرّة مكسورة، و قد فرشت على الأرض حصيرة عتيقة، و مخدّتها من اللبن. فقلت و قلبي يغلي: يا رابعة، لي أصدقاء أغنياء؛ فإن سمحت لي سألتهم أن يعطوني شيئا من أجلك. فأجابت: لقد أسأت القول يا مالك؛ إنّ اللّه تعالى هو الذي