تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٣٣٢
نقل أنه قال: كنت نوبة في بادية الحجاز أمشي مجرّدا، فالتقيت بامرأة عجوزة شدّت على رأسها بخرقة، و بيدها عصا، ظننت أنّها تخلّفت عن القافلة، فأدخلت يدي في جيبي، و أخرجت شيئا و أعطيتها، فعضّت على أنملتها متعجّبة، و مدّت يدها، و أخذت من الهواء كتلة من الذهب، و قالت: إن أخذت أنت من الجيب، فأنا آخذ من الغيب. قالت هذا، و غابت عن نظري، صرت متحيّرا عن شأنها، حتى انتهيت إلى عرفات و إلى الكعبة رأيت الكعبة تطوف بالمرأة، فقالت: يا سهل، من خطى خطوة ليرى جمال الكعبة، لا جرم هو يطوف بها، و من خطى خطوة عن نفسه فالكعبة تطوف به.
أقول: المراد الانخلاع عن الصفة البشرية، و الخروج عن الكدورات النفسانية، و الغنى عن الأوصاف الناسوتية، و الاتّصاف بما يكون من الأخلاق اللاهوتية، كما ورد أنه تعالى أوحى إلى داود ٧: يا داود، تخلّق بأخلاقي، و من أخلاقي أنّي أنا الصبور. و ما أحسن ما أنشد في هذا المعنى:
|
و قوم تاه في أرض بقفر |
و قوم تاه في ميدان حبّه |
|
|
فأفنوا ثم أفنوا ثم أفنوا |
و أبقوا بالحياة بقرب ربّه |
|
[و اللّه أعلم].
قال سهل رحمه اللّه: اتّفق لي نوبة مع رجل من الأبدال صحبة، و هو كان يسأل منّي في الحقيقة إلى صلاة الصبح، ثم بعدها كان يتركني و ينزل تحت الماء، و يجلس هناك إلى وقت الظهر، فإذا سمع صوت المؤذّن كان يطلع من تحت الماء، لم تبتلّ منه شعرة، و يصلّي صلاة الظهر، ثم ينزل في الماء، و يعتكف هناك، و ما كان يخرج من الماء إلّا للصلاة، فصاحبنا مدّة من الأيام على هذه الحالة، ما كان يأكل و لا يجالس أحدا إلى أن فارقنا.
و قال سهل: رأيت ليلة في المنام كأنّ القيامة قد قامت، و جملة الخلائق وقوف في المحشر، و يطير طائر أبيض، و يمسك من كلّ جانب شخصا، و يدخله الجنة، فقلت: ما هذا الطائر الذي منّ اللّه به على عباده؟ فرأيت كاغدا