تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٢٦٣
نقل أنه كان في الحمام، إذ دخل رجل مكشوف العورة، قيل: كان دهريّا أو فلسفيّا، فغمض أبو حنيفة رضي اللّه عنه عينيه، فقال الرجل: متى رفع عن عينك الضوء؟ قال: حين رفع اللّه عنك ستره.
نقل أنّ الناس اجتمعوا، و أرادوا أن يعمروا مسجدا في محلّته، فجاؤوا إليه، و طلبوا منه مساعدة على سبيل التبرّك، فثقل عليه ذلك، فقالوا له:
لا نقصد منك المال، و إنّما المقصود منك البركة. فبكراهية عظيمة أعطاهم شيئا حقيرا يسيرا، فقال له بعض التلاميذ: يا إمام، أنت رجل كريم، و لم صار ثقيلا عليك إعطاء هذا القدر اليسير؟ قال: ما كان هذا لأجل البخل؛ و لكنّي تيقّنت أنّ المال الحلال لا يصرف في عمارة الطين[١]، و كان ظنّي أنّ مالي حلال لمّا طلبوا منّي شيئا، كرهت ذلك لأجل أنه: هل يكون في مالي حرام أو شبهة؟ و كان بسبب ذلك دائما في الحزن، إلى أن جاء رجل من تلك الجماعة بالشيء الذي أخذوا منه، و ردّه إليه، ففرح أبو حنيفة، و سأل عن الحال، قال:
تمّت العمارة، و بقي عين مالك هذا. فأخذه أبو حنيفة رضي اللّه عنه و شكر اللّه تعالى على أنّ ماله كان حلالا بلا شبهة.
نقل أنه كان يمشي في بعض الطّرق، فتطاير إلى ثوبه من طين الشوارع قدر ظفر، فمضى إلى دجلة و غسله، قالوا له: يا إمام المسلمين، لا ترخّص بهذا القدر من النجاسة و تغسله؟! و أفتيت من المغلّظة قدر دينار، و من المخفّفة ربع الثوب! قال: هذا من التقوى، و ذلك من الفتوى.
[١] -روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أكثر من حديث ينفي به الأجر عمّن وضع ماله في العمارة، منها ما رواه البخاري في صحيحه( ٥٦٧١)، و مسلم( ٢٦٨١) عن قيس بن حازم رضي اللّه عنه قال: إنّ المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب.
و ما رواه الترمذي( ٢٤٨٤) عن أنس قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:« النفقة كلّها في سبيل اللّه إلا البناء، فلا خير فيه».
أقول: و هذا في البنيان، و التطاول فيه و التفاخر و التباهي، أما بناء المساجد للّه خالصة كما أمر اللّه و رسول صلى اللّه عليه و سلم فلا يندرج هذا.