تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٧٦٩
فسلّم عليه منّي. ففرح الرجل، و قال: أرسلني الشيخ إلى وليّ من أولياء اللّه تعالى. فلمّا وصل إلى ذلك الموضع سمع طقطقة و صوتا هائلا من جانب الجبل، نظر، فإذا ثعبان عظيمة سوداء، ما رأى مثلها قطّ أحد تنزل من الجبل، فرعب رعبا عظيما، و استرخت مفاصيله، و ضعفت أعضاؤه، و زال عقله، و وقع على الصخرة مغمى عليه من الخوف، فلمّا أفاق أبصر الثعبان قد وضعت رأسها عند رأسه، فقام بأيّ حال كان، و قال: إنّ الشيخ يقرئك السلام.
فتمرّغت الثعبان، و جرى الدمع من عينيها، ثم رجعت إلى مكانها، و الفقير أيضا رجع خائفا متغيّرا لونه، رخوة أعضاؤه، و لمّا شرع في الرجوع، سمع مسامير متاعه، و تشوّش منه، فقعد و نزع المسامير كلّها، ثم جاء إلى الشيخ هيّنا لينا، و قال الأصحاب: وصل إلى شخص قد هذّبه في ساعة مقدار ما كان يحصل له في عمر. ثم هو أخبر الشيخ و الجماعة ما رأى، و تعجّب الأصحاب عن هذا التدبير، ثم سألوا الشيخ حال الثعبان، فقال رحمه اللّه: صاحبتني سبع سنين، و حصلت بيننا فتوح كثيرة[١].
نقل أن الشيخ رحمه اللّه كان له تلميذ آخر غليظ الطبع، سيّىء الأدب، و لم يكن يتأدّب بالتأديب و التعلّم، فأرسله الشيخ نوبة إلى جماعة من الأتراك في شغل، فذهب إليهم، و كان يحدّثهم بالعنف و القهر كما كان، فانغاظوا منه، و ضربوه ضربا قويا حتّى لان، و صار متواضعا مسكينا، فرجع على هذه الحالة إلى الشيخ، فلمّا رآه الشيخ، تبسّم، و قال: لم يكن له علاج إلّا هذا، و هذا يسمى عصا الطريقة.
نقل أنّ القاضي الصاعد الذي كان قاضيا بنيسابور، كان منكرا للشيخ، ثم سمع أنّ الشيخ قال: نحن ما نأكل إلّا الحلال، و إن امتلأ العالم من الحرام مثلا. فأراد القاضي أن يمتحنه، فأمر أهله بأن يشووا خروفين، أحدهما من الحلال الخالص، و الآخر من الحرام المحض، و هو ذهب إلى الشيخ،
[١] -أسرار التوحيد ١٢٢ و ما بعدها.