تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٧٦٠
أنفقه على المساكين، و أنا واظبت مجلسه، و لازمت صحبته، و صرت من تلاميذه[١].
نقل عن شيخ من الصلحاء أنه قال: كنت في أيام الشباب مشغولا بالتجارة، و كنت في قافلة متوجّها إلى مدينة مرو، و أنا سبقت القافلة ليلا، و غلبني النوم، فنمت، و لمّا انتبهت ما رأيت من الأصحاب أثرا، و كان الأرض مرملا، لا يوجد فيها علامة، فعدوت من الجوانب، و لا اهتديت إلى الطريق، فضعت بالبادية، و زال عقلي، و دهشت، ثم أفقت و اخترت جانبا، و مشيت حتى غلبني الجوع و العطش، و أثّر الضعف في جميع أعضائي، و كان في غاية الحرّ، فصبرت إلى الليل، و سعيت في المشي جميع الليل، فلمّا أصبحت رأيت صحراء ما كان فيها إلا الشوك و العوسج، و ما رأيت أثرا لعمارة، بل كانت مفازة بعيدة عن العمران، لا فيها ماء و لا خضرة، و أثّر فيّ الضعف و الجوع و العطش، فوطّنت على الهلاك، و سقطت على الأرض، ثم قمت و جهدت حتى طلعت تلّا، و نظرت من الجوانب، ما رأيت من العمارة أثرا، و لكنّي أحسست من البعيد سوادا، فمشيت إليه، فإذا هو مرج، ففرحت و قلت: لعلّ فيه ماء، إذ المرج قلّما يخلو عن الماء. فسعيت إليه بمشقّة عظيمة، فوجدت هناك عينا، فشربت منه، و توضّأت و صلّيت، ثم أكلت شيئا من الحشيش، و أقمت هناك يوما و ليلة، ففزعت من السباع، فأويت إلى تلّ من الرمل بقرب المرج، و حفرت فيه حفرة، و نزلت فيها، و غطّيت رأسها بالحشيش، و أنا أنظر منها إلى الجوانب لعلّي أرى أحدا، فرأيت بعد الزوال شخصا طويل القامة أبيض اللون، واسع العينين، و له لحية طويلة، و عليه مرقعة، و بيده عصا و إبريق، و على كتفه سجّادة، و على رأسه قبع على صورة الصوفية، و النور يلوح من وجهه، و ذهب إلى العين، و بسط السجّادة، و توضّأ و صلّى، و رجع، و أنا ندمت في حال أن ما ذهبت إليه، و لا حدّثته، و لا سلّمت عليه، و لا زلت ألوم
[١] -أسرار التوحيد ٨٣ و ما بعدها.