تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٣١٤
هؤلاء الجماعة، فتغيّرت الجماعة من ذلك، و أنكروه، فقال أحمد: اعذروه، فأنا أكلت طعاما جيء به إلينا من بيت بعض الجيران، و اتّفق في ذلك صحبة مع الأهل، و هذا الولد صار من تلك النطفة، و بعد ذلك تفحّصنا، فكان ذلك الطعام من عرس، كان في بيت شخص من غلمان[١] السلطان
نقل أنه كان له جار مجوسيّ اسمه بهرام، و كان له شريك سيّره إلى التجارة مع مال كثير، و قد نهب في الطريق، فسمع أحمد، و قال لأصحابه: قوموا نمش إلى بهرام، و نسأل عن حاله و نسلّيه؛ فإن له علينا حقّ الجوار، و وقع له حادثة.
فلمّا وصلوا إلى باب داره، استقبلهم المجوسيّ، و قبّل يده، و أعزّه و أكرمه مع أصحابه، و أجلسهم، و خطر بباله أنّ الشيخ ربّما يكون جائعا، إذ كان الطعام غاليا حينئذ، و أراد أن يأتي بطعام إليهم، و علم الشيخ بالفراسة، و قال: ما جئنا إليك إلّا لنطيّب خاطرك، إذ سمعنا ما نهب من مالك مع الشريك. قال المجوسيّ: نعم، و لكن يجب عليّ شكر اللّه على ثلاث نعم، الأولى نهبوا منّي و أنا ما نهبت من غيري. و الثانية أنّه نهب النصف و بقي عندي النصف. و الثالثة أنّ المال و إن ذهب فالدّين باق. فهذا الكلام أعجب الشيخ، و قال لأصحابه:
انسخوه، إذ تفوح منه رائحة الإسلام. فالتفت إليه الشيخ، و قال: يا بهرام، لم تعبد هذه النار؟ قال: لئلا تحرقني، و أيضا أعطيتها حطبا كثيرا، فكيف تغدر معي؟ و أيضا لتوصلني إلى اللّه تعالى. قال الشيخ: غلطت غلطا عظيما؛ لأنّ النار ضعيفة جاهلة، و لا وفاء لها، و ظنّك فيها كاذب و باطل، أما ضعفها فلأنّ طفلا إن أراق عليها الماء أو يرمي عليها ترابا تنطفىء و تنعدم، فالشيء الذي ضعفه بهذه المثابة كيف يوصلك إلى الجبار القوي؟ و هو لا يقدر أن يمنع عن نفسه حفنة تراب أو قطرة ماء، فكيف يدفع عنك العذاب؟ و أما جهلها فلأنها لا تفرّق بين المسك و النجاسة، فتحرقهما على السواء إن ألقيا فيها، و أمّا عدم وفائها و غدرها فظاهر لأنّك تعبدها الآن، و قد عبدتها سبعين سنة، و أنا ما عبدتها قطّ، تعال ندخل فيها أيدينا، ثم ننظر أيّنا تحرق؟ أو هل تراعي جانبك
[١] -في( ب) شخص من علماء السلطان.