تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٥٤٦
قيل للشبلي رحمه اللّه: الدنيا دار الاشتغال، و الآخرة دار الأهوال، فمتى الراحة؟ قال: اجتنبوا عن أشغال الدنيا للنجاة عن أهوال الآخرة.
قيل له: أخبرنا عن التوحيد بعبارة محرّرة. قال: و يحكم، من أخبر عن التوحيد بالعبارة فهو ملحد، و من أشار إليه فهو ثنوي[١]، و من سكت فجاهل، و من ظنّ أنّه واصل فليس له حاصل، و من قال: إنّه قريب، فهو بعيد.
أقول: أمّا قوله: (من أخبر عن التوحيد بالعبارة فهو ملحد) أي: مائل إلى الباطل، فمعناه: أنّه لا بدّ من الاعتقاد الصحيح أولا، ثم التحقيق ثانيا، ثم الشهود ثالثا. فالأول يعبّر عنه بعلم اليقين، و الثاني بعين اليقين، و الثالث بحقّ اليقين، فمن لم ينظر إلى هذه الأحوال، و اكتفى عن المذكورات، بالعبارة، فهو ملحد لا محالة.
و أما قوله: (و من أشار إليه- أي إلى اللّه تعالى- بالإشارة) الحسّية أنه هناك أو هنا فهو مشرك ثنوي، لأنّ كونه مشارا إليه يستلزم أنّه جسم[٢]، و في مكان و زمان، و هذا و أمثاله من صفات المحدثات، و سمات الممكنات، و اللّه تعالى مقدّس عن ذلك، منزّه عنه.
و أما قوله: (و من سكت فجاهل) فمعناه: أنّ من عرف اللّه تعالى، و خرج بتوفيقه تعالى من ظلمات الغواية إلى نور الهداية كما قال اللّه تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: ٢٥٧] فيجب عليه أن يقرّ بالتوحيد، و يعرب عنه لتجري عليه أحكام الشرع، و إلّا فجاهل ظاهر، و إن كان عارفا باطنا، و لكن من عرف اللّه تعالى، و آمن به، و لم ينطق بما اعتقد فإمّا لخرس، أو لخوف على النفس، أو لأنه لم يبق إلّا أن ينطق فهو مؤمن عند اللّه، غير مؤمن عندنا.
و أما قوله: (من ظن أنه واصل فليس له حاصل) فمعناه: أنّ الوصول إلى اللّه
[١] -كتب أمامها في( أ): في نسخة وثني.
[٢] -في( أ): لأن قوله( مشار إليه) يستلزم جسما له.