تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١٣٣
ثم دخل مكّة شرّفها اللّه تعالى، و سكن بها، و كان يتقوّت من كسب يده، و كان كسبه من الحصد، و حفظ[١] البساتين و غيره.
و نقل أنه لمّا خرج من بلخ قد بقي له ابن رضيع، فكبر و سأل من أمّه أحوال أبيه، و كان يطلبه و يشتاق إليه، و أمّه كانت تقصّ عليه حكايته، و ما جرى عليه، و قالت: الحاصل أنّه ضاع أبوك مدّة، ثم سمعنا أنّه ساكن بمكّة شرّفها اللّه تعالى.
فابنه قصد زيارة الكعبة، و نادى في مدينة بلخ: إنّ من يريد الحجّ فليتهيّأ للرواح إليها. فجاء إليه أربع مئة، فأعطى الجميع الزاد و الراحلة و سائر ما يحتاجون إليه في الطريق؛ لعلّه يصل إلى أبيه بعد طول الانتظار، فدخل مكّة، و جاء إلى باب المسجد، و التقى بجماعة لبسوا المرقعة، فسأل منهم: هل تعرفون إبراهيم بن أدهم؟ قالوا: نعم، و له علينا حقّ النعمة؛ و لكن قد ذهب لطلب الطعام. فخرج ابنه إلى البطحاء[٢] في طلبه، فرآه حافيا، و قد حمل حطبا، غلبه البكاء، و لكن اختفى عنه، و أمسك نفسه و تبعه[٣]، فدخل السوق، و يقول: من يشتري الطّيّب بالطيّب؟- أي الحلال بالحلال- فاشترى منه رجل خبّاز بخبيزات، و ذهب بها إلى أصحابه، و خاف إن يظهر نفسه عليه أن يفرّ منه، فذهب إلى أمّه ليدبّر معها أنه كيف يلتقي به، فأمرته أمّه بالصبر إلى تمام الحجّ، و إبراهيم رحمه اللّه وصّى أصحابه، و قال لهم: لا تنظروا إلى وجوه الصبيان و النساء في الطواف. فلمّا شرعوا في الطواف، إذ رأى إبراهيم صبيّا صبيح الوجه قد استقبله، فنظر إليه، فتعجّب أصحابه منه، و بعد الفراغ من الطواف، قالوا له: رحمك اللّه، نهيتنا عن النظر إلى الصبيان و النساء، و أنت نظرت إلى صبيّ حسن الوجه مليح! قال:
علمتم ذلك؟ قالوا: نعم. قال: لمّا خرجت من بلخ[٤] كان لي ابن رضيع، ظنّي
[١] -في( أ): من الحطب و حفظ.
[٢] -بطحاء مكة: هي ما حاز السيل، من الردم إلى الحنّاطين يمينا مع البيت. و ليس الصفا من البطحاء. معجم ما استعجم ١/ ٢٥٧.
[٣] -في( ب): و أمسك ريقه و بلعه.
[٤] في( ب): لمّا حضرت من بلخ.