تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٧٩٠
و قال: يقول الناس: أوقاته طيبة؛ و لكن إن حملوا ما حملناه، لفرّوا و انهزموا.
و قال: إذا سألوا عنكم يوم القيامة: من أنتم؟ فلا تقولوا: نحن من الصوفية، أو من العارفين، فإنّه دعوى، و يطلبون منكم شاهدا على دعواكم، و حينئذ يشتدّ الأمر، و لكن قولوا: نحن ضعفاء مساكين، و لنا مخاديم، و إنّا لهم تبع، فاسألونا عنهم، ثم فاسعوا أن تدخلوا أنفسكم في زمرة رجل و إن لم تقدروا أن تكونوا من زمرة رجل، فحرّكوا رأسا إذا سمعتم من أحد حديثه؛ لتقولوا يوما: نحن من الذين يحرّكون رأسهم عند استماع حديث الحبيب؛ لعلّكم تنجون بهذا المقدار[١].
نقل أنه قال: من رآني في ابتداء حالي صار صدّيقا، و من رآني في الانتهاء صار زنديقا.
أقول: معناه أنّ أفعاله و حركاته و سكناته و أقواله في الابتداء كانت على وفق عقولهم، فلا جرم أنّه من كان يراه و يتبعه في أحواله يصير صدّيقا، و أمّا لمّا ترقّى، و جاوز عمّا كان عليه في الابتداء، ما كانوا يفهمون عباراته، و لا يدركون حقيقة أحواله و أفعاله، لأنّها كانت فوق إدراك عقولهم، فلذلك كانوا ينكرونه، و ينسبونه إلى ما لا يليق، و يتزندقون بذلك، و يكفيك ناهيا هذا السرّ حكاية موسى و الخضر ٨، و ما جرى بينهما، و لولا أنّ الخضر ٧ كان يؤوّل لموسى ٧ ما رأى منه من خرق السفينة، و قتل الغلام، و إقامة الجدار كما نطق به القرآن الكريم، لأنكره موسى ٧، و بقي على إنكاره، لكن زال إنكاره بتأويل الخضر ٧، و الحال أنّ موسى ٧ كان مأمورا، و أمّا أبو سعيد فلم يكن مأمورا لأحد، مأمورا بمتابعته و تصديقه، و إن ذكر تأويلا لكلّ ما كان منكرا عند الناس في ظواهر عقولهم لصدّقه قليل، و أنكره كثير، فزال الإشكال و الارتياب. [و اللّه أعلم].
[١] -اسرار التوحيد ٣٨٧، و بقية الخبر صفحة ٣٤٣.