تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٨٤
أحسن إليّ زيادة على عملي، فإنّا إن ننقطع عن غيره، و نعمل له ما بقي من العمر، و نجتهد على طاعته فلا بدّ أننا ما نخيب عن رحمته. فأعرض عن الدّنيا بكلّيته، و اشتغل جميع عمره بعد ذلك في العبادة و الإخلاص و الزهد و الورع حتى صار من الأولياء، و صار مستجاب الدعوة بحيث يحتاج الناس من الأكابر و غيرهم إلى دعائه.
حكي أنه جاءت إليه امرأة عجوز باكية متضرّعة، و قالت: إنّ لي ابنا قد غاب عن عيني[١] زمانا، و أنا مشتاقة إليه، و ما بقي لي طاقة على فراقه، و أريد أن تدعو اللّه تعالى عسى أن يردّه إليّ ببركة دعائك. قال حبيب: هل لك شيء من الدراهم و الدنانير؟ قالت: نعم، فأمرها بالتصدّق، ثم دعا لها، و قال: إن اللّه تعالى يوصله إليك الساعة إن شاء اللّه تعالى. فما وصلت العجوزة إلى باب بيتها إلّا و قد رأت ابنها جائيا إليها، فصاحت العجوزة، و أخذت الابن و جاءت به إلى حبيب مسرورة شاكرة للّه تعالى، فسأله حبيب، و قال: كيف جئت؟ قال: كنت في كرمان[٢] خادما لشخص، فبعثني إلى السوق في طلب لحم لأشتري له، فاشتريت له لحما، و رجعت إليه، فهبّت ريح و حملتني، و سمعت قائلا يقول:
يا ريح، إلى أمّه. و كان ذلك ببركة دعاء حبيب رحمه اللّه، و صدقة والدته
و حكي أنه رئي يوم التروية و هو اليوم الثامن من ذي الحجّة في البصرة، و يوم عرفة و هو اليوم التاسع من ذي الحجّة بمكة في عرفات.
و وقع في البصرة قحط عظيم، و حصل للفقراء ضرر و محنة، فاشترى حبيب طعاما كثيرا نسيئة، و فرّقه على الفقراء، و خاط خريطة، و وضعها تحت رأسه، فلما جاء إليه أرباب الديون للتقاضي أخرج الصرّة، فإذا هي مملوءة من الدراهم، فوفّى منها الديون.
و كان له فروة عتيقة يلبسها صيفا و شتاء، فتركها مرّة على بعض الطرق في
[١] -في( ب): قد غاب عنّى زمانا.
[٢] -كرمان: ولاية مشهورة و ناحية كبيرة معمورة، ذات بلاد و قرى و مدن واسعة، بين فارس و مكران و سجستان و خراسان. معجم البلدان.