تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١٣٠
أمره سمع مثل ذلك الصوت في جيبه، و انفتح على قلبه باب أسرار الملك و الملكوت[١]، و تاب إلى اللّه تعالى توبة نصوحا، و نزل عن الفرس، و توجّه إلى جانب، و ذهب حتى وصل إلى راعي أغنام له، و كان عليه لبّاد، و على رأسه قلنسوة من الصوف، فإذا هو من مماليكه و غلمانه، فأعطاه ما كان عليه من الثياب الفاخرة، و التاج المعرّق، و وهب له جميع تلك الأغنام، و أخذ منه اللّباد و قلنسوة الصوف، فتعجّب من حاله جميع من في عالم الملكوت؛ إذ هو خلع عنه الثياب النجسة المزخرفة الدنيوية، و وضع على رأسه تاج الفقر، و لبس حلّته.
و كان يدور في الجبال و الصحارى متولّها متحيّرا، و يبكي على جرائمه و ذنوبه و ينوح، حتى وصل إلى مدينة تسمّى مرو الرّوذ[٢]، و كان هناك جسر على نهر، فلمّا وصل إبراهيم إلى الجسر، و أراد أن يعبر، رأى رجلا قد وقع من الجسر، فقال إبراهيم: اللهم احفظه. فاللّه تعالى حفظه و أوقفه في الهواء، حتى ذهب إليه جماعة و أمسكوه، و تعجّبوا من حال إبراهيم.
ثم رحل إلى نيسابور، و طلب موضعا خاليا ليشتغل بعبادة اللّه تعالى، فأرشده اللّه تعالى إلى مغارة هناك مشهورة، فسكن فيها تسع سنين، و اللّه تعالى يعلم بأحواله و طاعاته و عباداته في تلك المغارة ليلا و نهارا.
و كان يصعد الجبل يوم الخميس، و يجمع حملا من الحطب، و ينزل به غداة يوم الجمعة و يبيعه، و يشتري بثمنه ما يسدّ جوعته من القوت، و يفرّق نصف ذلك على الفقراء و المساكين، و يذهب بالنصف الآخر إلى المغارة، و كان يصوم و يفطر على ذلك الطعام، و يقنع به إلى الجمعة الأخرى.
نقل أنه كان في تلك المغارة ليلة من ليال الشتاء، و كانت في غاية البرودة، و قد حصل له احتياج إلى الغسل، فاغتسل بالماء البارد من الساقية بعد أن كسر
[١] -في( ب): أسرار الملك و السلطنة.
[٢] -مرو الرّوذ: مدينة قريبة من مرو، بينهما خمسة أيام، و هي على نهر عظيم، فلهذا سميّت بذلك. فالروذ بالفارسية النهر. انظر معجم البلدان.