تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٤٣٢
يكن حينئذ جارية بجمالها، و كان الخليفة عاشقا لها، مفتونا بجمالها و غنجها و دلالها، فأمرها الخليفة أن تتزيّن و تتجمّل بأنواع الحلي و الجواهر و اللآلئ و اللّباس الفاخر و تتعطّر بأنواع العطر، و أمرها أن تذهب إلى الجنيد، و تقول له:
لي مال و جمال، و أشتهي أن تقبلني و تتزوّج بي؛ لأشتغل ببركة صحبتك بالطاعة و العبادة، و قلبي مال إليك، و لا يميل إلى غيرك، و أمرها أن تعرض نفسها عليه، و تكشف وجهها بين يديه، و تحتال في ذلك، و تجتهد فيه، فذهبت الجارية مع خادم مجهول إلى الشيخ، و ذكرت ما أمرها الخليفة؛ و بل بأضعافه، ففي أثناء المكالمة وقع نظر الشيخ بلا اختيار عليها، فأطرق رأسه، و سكت، و الجارية بعد في الحديث، ثم رفع رأسه و تأوّه، فسقطت الجارية ميتة، و ذهب الخادم إلى الخليفة، و حكاه الحال، فاضطرب الخليفة و تشوّش، و قال: من يعمل مع الرجال ما لا يليق، يلق شيئا لا يريد. و قال: لا يليق أن ندعو إلينا مثل ذلك الرجل؛ بل نحن نأتي إليه. و التقى به، و قال: يا شيخ، كيف وافقك قلبك حتّى دعوت اللّه على مثل تلك الجارية؟ قال: يا أيّها الخليفة، كلا، و لكن أنت أردت أن تفسد عليّ عبادة أربعين سنة، و لم تشفق عليّ، و اللّه تعالى غيور، فأحرقتها نار غيرة اللّه تعالى، و من أنا ليكون لي تأثير في ذلك؟.
قال لبعض أصحابه: ما أخذنا هذا التصوّف بالقيل و القال، و بالمحاربة و الجدال؛ و لكن وجدناه بالجوع و السهر، و الزّهد في الدنيا، و الانقطاع عن المحبوب فيها، و عمّا يميل القلب إليه.
و قال: لا ينبغي أن يسلك هذا الطريق إلّا شخص يكون كتاب اللّه تعالى بيمينه، و سنة رسوله صلى اللّه عليه و سلم بيساره، و بضوئهما يسلك؛ لئلا يقع في جبّ الشّبهة، و ظلمة البدعة.
و قال: من تحمّل البلاء في هذا الطريق شيخنا عليّ المرتضى رضي اللّه عنه، و لولا كلام ذكره عليّ رضي اللّه عنه لم يكن لهذه الطائفة شيء يتمسّكون به، و الكلام هو هذا الذي قال حين سئل: بماذا عرفت اللّه تعالى؟ قال: بما جعلني عارفا به، فعرفت أنّه لا يشبهه شيء، و ليس له صورة، و لا يمكن أن