تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٧٨٤
نقل أنه سمع أنّ فلانا من الفقراء انزوى في زاوية مدّة مديدة، و صار جسمه من الرياضة كالخلال، فأرسل إليه: أنّ المناسب لحالك أن تلفّ جميع ما عملت في لقمة، و تطعمها فقيرا و تخلص.
أقول: يشير إلى أنّه كان معجبا في نفسه بسبب رياضته و مجاهدته، فأمره بترك العجب، فإنه من أشدّ المهلكات للسالك، لأنه حجاب عظيم بينه و بين الحقّ، و هو لا يصل إلى المقصود الأعظم إلّا برفع الحجب كلّها. [و اللّه أعلم].
نقل أن الشيخ رحمه اللّه كان في صحبة بالنهار، و كان هناك جماعة من أهل الغناء، و لم يحصل لأحد من الصوفية ذوق، و لا هاج فيهم شوق، مع أنّ المغنّين اجتهدوا كثيرا، ثم إنّ الشيخ رحمه اللّه دعا إليه الخادم، و أمره أن يجعل عصا على صورة امرأة بإزار، و يضعها على طرف السطح، بحيث يراها الجماعة، و لا يعلمون حقيقتها، ففعل الخادم، و بعد ذلك شرع المغنّون في الغناء، و الصوفية في السماع، و حصل لهم شوق و ذوق، و وجدوا حالا فوق الوصف، حتى صاحوا و مزّقوا الخرق، فلمّا قضوا من السماع أوطارهم، و عرف الشيخ أحوالهم و أفكارهم، أمر الخادم بأن يكشف سرّ تلك[١] الهيئة، ليعرف الحاضرون من أنّ هيجان أشواقهم لأيّ شيء كان.
أقول: يشير أولا إلى أنّهم تواجدوا- أي أظهروا الوجد- و تواجدهم أيضا ما كان إلّا لتوهّمهم أن تلك الصورة امرأة، و تخيّلوا صورة مستملحة جليلة، فلها صاحوا و اضطربوا، و أنهم لا حظّ لهم من مقام الوجد الحقيقي، و الشوق التحقيقي، و مقصوده رحمه اللّه تنبيههم على خطئهم، و ردّهم عنه إلى الصواب، و في هذا إشارة أخرى إلى أنّ المحبّين للدنيا، المشتغلين بعمارتها، الذين يصرفون أعمارهم النفيسة في طلبها و حبّها سيكشف لهم عن محبوبهم، ليطّلعوا على قباحته، فيعلموا أنّهم خسروا فيه خسرانا مهينا، و ضلّوا ضلالا بعيدا،
[١] -الأصل: بأن يكشف للشيخ سر تلك.