تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٢٩١
الشخص، فذهب إليه الحارث، و قال في أذنه: إنّ اللّه تعالى يراك في هذه الحالة. فرمى الشخص السكين، و ترك المرأة، و بكى، و تاب على يد الشيخ رضي اللّه عنه، و صار من الأبدال.
نقل أنّه ورث من أبيه سبعين ألف درهم، فلم يأخذ منها شيئا، و بعثه إلى بيت المال، قال: لأنه قال النبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «القدرية مجوس هذه الأمة»[١]، و أبوه كان يقول بالقدر- أي كان قدريّا- فرأى في الورع أن لا يأخذ من ميراثه، و قال:
صحّت الرواية عن النبيّ صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «لا يتوارث أهل الملّتين شتّى»[٢]- أي:
أهل ملّتين مفترقين.
يحكى عن الجنيد رحمه اللّه أنه قال: مرّ بي الحارث المحاسبي، فرأيت منه أثر الجوع، فقلت: يا عمّي، لا تدخل الدار فتتناول شيئا؟ قال: نعم. فدخلنا
[١] -رواه أبو داود( ٤٦٩١) في السنة، باب في القدر من حديث عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه أبي حازم سلمة بن دينار، عن ابن عمر، و قد جزم المنذري بأن أبا حازم لم يسمع من ابن عمر، فالإسناد منقطع.
قال ابن الأثير في جامع الأصول ١٠/ ١٢٨:( القدرية) في إجماع أهل السنة و الجماعة:
هم الذين يقولون: الخير من اللّه، و الشرّ من الإنسان، و إن اللّه لا يريد أفعال العصاة، و سمّوا بذلك، لأنهم أثبتوا للعبد قدرة توجد الفعل بانفرادها و استقلالها دون اللّه تعالى، و نفوا أن تكون الأشياء بقدر اللّه و قضائه، و هؤلاء مع ضلالتهم يضيفون هذا الاسم إلى مخالفيهم من أهل الهدى، فيقولون: أنتم القدرية، حين تجعلون الأشياء جارية بقدر من اللّه، و أنكم أولى بهذا الاسم منا، و هذا الحديث يبطل ما قالوا، فإنه صلى اللّه عليه و سلم قال:« القدرية مجوس هذه الأمة» و معنى ذلك: أنهم لمشابهتم المجوس في مذهبهم، و قولهم بالأصلين- و هما النور و الظلمة- فإن المجوس يزعمون أن الخير من فعل النور، و الشرّ من فعل الظلمة، فصاروا بذلك ثنوية، و كذلك القدرية لما أضافوا الخير إلى اللّه، و الشرّ إلى العبيد؛ أثبتوا قادرين خالقين للأفعال كما أثبت المجوس، فأشبهوهم، و ليس كذلك غير القدرية، فإن مذهبهم أن اللّه تعالى خالق الخير و الشرّ، لا يكون شيء منهما إلا بخلقه و مشيئته، فالأمران معا مضافان إليه خلقا و إيجادا، و إلى العباد مباشرة و اكتسابا.
[٢] -رواه أحمد في مسنده ٢/ ١٧٨، و أبو داود( ٢٩١١)، و البيهقي في السنن ٦/ ٢١٨، و الخطيب في تاريخ بغداد ٥/ ٢٩٠، و ابن ماجه( ٢٧٣١)، و الحاكم ٤/ ٣٤٥ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.