تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١٦
لا يسقط التكاليف الشرعية من الأمر و النهي ما دام عاقلا، و ذلك لعموم الخطابات الواردة في التكاليف، و لأنّ أكمل الناس في المحبّة و الإخلاص هم الأنبياء :؛ سيّما حبيب اللّه صلى اللّه عليه و سلم، مع أنّ التكاليف في حقّهم أتمّ و أكمل، و عباداتهم إلى آخر أعمارهم أوثق و أشدّ حتى أنّهم كانوا يعاتبون بأدنى زلّة؛ بل بترك الأفضل.
نعم، حكي عن بعض الأولياء رضوان اللّه عليهم أجمعين أنّه استعفى اللّه تعالى عن التكاليف، و سأله الإعتاق عن ظواهر العبادات، فأجابه اللّه تعالى بأن سلبه عقله الذي هو مناط التكاليف، فصار مجنونا في الظاهر، و مع ذلك من علوّ المرتبة على ما كان عليه، كذا في «شرح المقاصد».
و ليعلم أنّ العارف باللّه تعالى لا يسأم من العبادة، و لا يفتر في الطاعة، و لا يسأل الهبوط من أوج الكمال إلى حضيض النقصان، و النزول من معارج الملك إلى منازل الحيوانات؛ بل ربّما حصل الانجذاب إلى عالم القدس و الاستغراق في ملاحظة جناب الحقّ جلّ جلاله، بحيث يذهل عن هذا العالم، و يخلّ بالتكاليف من غير تأثّم في ذلك، لكونه في حكم غير المكلّف عن النائم، و ذلك يعجزه عن مراعاة الأمرين، و ملاحظة الجانبين؛ أعني الاستغراق في ملاحظة جمال اللّه، و الاشتغال بظواهر العبادات، و ربّما يسأل دوام تلك الحالة، و عدم العود إلى عالم الظاهر، و هذا الذهول هو الجنون ذكر بالعجمي بيت:
|
ديوانكك خود را ميكرد در سلاسل |
برحاله عاقلي بودا بخادم از جنون زد حاصل |
|
معناه: لما أراد الحبيب[١] أن يقيّد مجانين عشقه بسلاسل أزلافه[٢] و أصداغه، فادعى الجنون من كان هناك من العقلاء.
و منها: الغالب على الوليّ أوان صحوه هو الصدق في أداء حقوقه سبحانه، ثم الرفق و الشفقة على الخلق، و الانبساط بالرحمة بكافتهم، و دوام تحمّله
[١] -في( أ): لما أراد اللّه الحبيب.
[٢] -كذا في( أ). و كأنها بسلاسل أسلافه، و السالف الشعر المتدلي على الصدغ.