تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٧٣١
أقول: يشير إلى أن الجدّ و الاجتهاد إنّما يكون في الشباب، قال النبي صلى اللّه عليه و سلم:
«اغتنم خمسا قبل خمس؛ شبابك قبل هرمك ...» الحديث[١]. [و اللّه أعلم].
نقل أنه رحمه اللّه اعتزل عن الناس في ابتداء حاله عشرين سنة، و كان يدور في الجبال و المفاوز البعيدة عن العمران، بحيث لم يسمع في تلك المدّة صوت الإنسان قطّ حتى أذابت المشقّة و الرياضة بنية جسده، و تضيّقت عيناه حتى بقيت كلّ منهما مقدار ثقبة مسلّة، و تغيّرت صورته الشريفة عن وضع صور الآدميين، ثم بعد تمام عشرين سنة أمره اللّه تعالى بطريق الإلهام أن يخالط الناس و يصاحبهم، فقال: المصلحة أن أمشي أولا إلى مكّة الشريفة، و أزور الكعبة، و أصاحب المجاورين هناك، ثم بعد ذلك ألاقي من قدّر اللّه تعالى. فتوجّه إليها، و لمّا قرب من مكّة خطر ببال المشايخ المقيمن بها: أنّ أبا عثمان جاء، فاستقبلوه، و وجدوه متغيّر الحال، متبدّل الصورة، فقالوا: يا أبا عثمان، قد عشت عشرين سنة، و ما خالطت إنسيّا، و لم يبق فيك من الإنسانية إلّا رمق، و الناس عجزوا في شأنك، فأخبر لنا لماذا تهت، و لما رجعت، و ما وجدت، و ما رأيت؟ فقال: عجزت في حال، فدخلت البادية، و انقطعت عن الخلق عسى أن أقطع الأصل، فما وصلت يدي إلّا إلى الفرع، فناداني مناد: يا أبا عثمان، در حول الفرع، و كن في مقام الشكر، أمّا قطع الأصل فليس إليك، و الحال أنّ الصحو الحقيقي ليس إلّا فيه، فالآن رجعت كما كنت فيه. فقال المشايخ: حرام على أحد بعدك من أهل الاعتبار أن يعبر عن الصحو و السكر.
أقول و العلم عند اللّه: يمكن أن يقال: المراد بقطع الأصل قطع عرق ما سوى اللّه تعالى عن روضة القلب، و قلعه عنه، و لا شكّ أنّ هذا كما ينبغي لا يدخل تحت قدرة العبد و اختياره؛ بل القادر عليه إنّما هو اللّه الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: ٥٠] فلا جرم أنّه نهى عنه، و أمره بالتفويض إليه تعالى.
[١] -أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٣٠٦ عن ابن عباس، و هو في المصنف لابن أبي شيبة ٧/ ٧٧، و الحلية لأبي نعيم ٤/ ١٤٨، و شعب الإيمان ٧/ ٢٦٣ عن عمرو بن ميمون.