تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٨٣٨
و قال: ما التصوّف يا حلّاج؟ فأجاب: أقلّه ما تراه. فقال: و ما أكثره؟
قال: لا سبيل لك إلى ذلك.
و قد رماه كلّ واحد بحجر إلّا الشّبليّ فإنّه رماه بطينة إظهارا لموافقته لهم.
فتأوّه الحسين بن منصور، فسئل: لم تتأوّه من كلّ هذه الأحجار، فما معنى أن تتأوّه من طينة؟ فقال: لأن هؤلاء لا يعلمون؛ فهم معذورون، و إنّما يصعب عليّ تحمّل ذلك منه لأنه يعلم أنه لا ينبغي له أن يرجمني.
ثم إنّهم قطعوا يده، فضحك، فسئل: لماذا تضحك؟ قال: إنّ قطع يد إنسان مقيّد أمر سهل؛ و الرجل هو الذي يقطع يد الصفات التي ترفع تاج الهمّة عن مفرق العرش.
ثم قطعوا رجليه، فتبسّم، و قال: لقد كنت أسافر بهاتين القدمين سفرا على التراب، ولي قدم أخرى تسافر اليوم في كلا العالمين، فإن استطعتم فاقطعوا تلك القدم.
ثم مسح بيديه المقطوعتين الداميتين وجهه حتى لطخ ساعديه و وجهه بالدماء. فسئل: لماذا فعلت هذا؟ أجاب: لقد نزف منّي دم كثير، و أعلم أن وجهي أصفر، و قد تتصوّرون أنّ صفرة وجهي هي من الخوف، فلطّخته بالدم لأكون في عيونكم أحمر الوجه، فحمرة الرجال هي دماؤهم. فسئل: إذا كنت قد جعلت وجهك أحمر بالدم، فلماذا لطّخت ساعدك؟ فقال: أنا أتوضأ.
فسئل: أيّ وضوء؟ أجاب: ركعتان في العشق لا يصحّ وضوؤهما إلّا بالدم.
ثم اقتلعوا عينيه، فارتفع صراخ الناس، فكان البعض يبكي، و البعض يقذف بالحجارة.
ثم أرادوا قطع لسانه، فقال: اصبروا حتى أتحدّث بحديث. فتوجّه نحو السماء و قال: إلهي، لا تحرمهم من هذا العذاب الذي يذيقونني إيّاه لأجلك، و لا تحرم دولتهم من ذلك، الحمد للّه أنهم قطعوا يديّ و رجليّ في سبيلك، و لو فصلوا رأسي عن جسدي فهم بمشاهدة جلالك سيفعلون ذلك مرّة أخرى فوق المنصّة.