تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٦١
فرآه قد أسودّ ظاهره و باطنه من النار التي عبدها، قال: خف من اللّه تعالى؛ فإنّ عمرك الذي كان رأس مالك قد انقضى في النار و الدخان، و أغضبت اللّه تعالى عليك، و ما عملت برضاه أصلا، فاليوم يوم الندم و التوبة و الإسلام و الاستغفار، عسى اللّه أن يتوب عليك و يرحمك. قال المجوسيّ: يمنعني عن الإسلام ثلاثة أشياء، الأول أنّ أهل الإسلام يذمّون الدّنيا ليلا و نهارا، ثم يطلبونها سرّا و جهرا. الثاني: أنّهم يقولون و يعلمون أنّ الموت حقّ، ثم لا يتهيؤون له و لا يعدّون أسبابها. الثالث: أنهم يعتقدون أنّهم سيرون اللّه تعالى في القيامة، ثم لا يعملون برضاه. قال الحسن رحمه اللّه في نفسه: إنّ هذا ليس من كلام المنكرين، ثم قال له: المؤمنون يعملون ما ذكرت؛ و لكنّهم مقرّون بوحدانية اللّه تعالى، لا يصرفون أعمارهم في عبادة النار مثلكم، و ليس للنار وفاء أصلا؛ فإنّك عبدتها سبعين سنة، و تقرّبت إليها، و أنا ما عبدتها قطعا، تعال ندخل فيها، ثم ننظر أنها: هل تحرقني أم تحرقك؟ بل تحرقنا جميعا، إلّا إذا منعها اللّه تعالى عن الإحراق، فإنّها لا تقدر على إحراق شعرة على جسد موحّد. ثم أدخل الحسن يده في النار، و قال للمجوسيّ: وافقني، و أدخل يدك أيضا فيها. فما قدر المجوسيّ على ذلك، و لم تحرق النار بقدرة اللّه تعالى شعرة من يد الحسن[١]، و ما وصل إليها ألم، فلمّا رأى المجوسيّ المشرك ذلك تحيّر و تعجّب منه، و صبح العرفان آخذ في الطلوع، و ليل النّكران شرع في الرجوع، قال للحسن: بعد أن عبدت النار سبعين سنة، و ما بقي من عمري إلّا أنفاس معدودة لا تسع إلّا شيئا قليلا، فماذا أعمل، و ما التدبير و الحيلة؟ قال الشيخ: التدبير أن تؤمن باللّه. قال المشرك: فإن أعطيتني خطّا كتبته بيدك، و تصير لي ضامنا بالرحمة و العفو و ترك العقاب أنا أؤمن، و أدخل في زمرة المؤمنين، و إن لم تعطني خطّ يدك فلا. فكتب الحسن رحمه اللّه كتابا بهذا المعنى، و أعطاه إياه، قال المشرك: اشهد على ذلك جماعة من عدول البصرة؛ فإنّي خائف من اللّه تعالى غاية الخوف. ففعل
[١] -في( ب): شعرة من جسد الحسن.