تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٧٨٥
أعاذنا اللّه بتوفيقه و رحمته و لطفه عن هذه الفتن. [و اللّه أعلم].
نقل أنّه اتفق جماعة، و اجتمعوا بين الشيخ أبي سعيد و الإمام أبي محمد الجويني رحمهما اللّه تعالى في الحمام، فقال الشيخ لأبي محمد: لم طاب الحمام؟ قال أبو محمد: لأنه ينظّف الإنسان، و يزيل عنه الأوساخ. قال الشيخ: أريد أحسن من هذا. قال أبو محمد: لأنه يدخله مثل جنابك الكريم، و يستريح فيه. قال الشيخ: أحسن من هذا أريد. قال أبو محمد: فالشيخ أعلم.
قال الشيخ: إنّما طاب الحمام لأنّه اصطلح الضدّان، و اتّفق المخالفان- يعني الماء و النار- فتعجّب أبو محمد من هذا المعنى اللطيف، ثم قال الشيخ أيضا:
لأنّ من يدخله يترك جميع المال و الملك، و المنصب و الجاه، و لا يكون معه سوى سطل و إزار، و هما أيضا على طريق العارية غالبا[١].
أقول كأنه رحمه اللّه يشير إلى مقام التجريد الذي هو أصل عظيم في السلوك، إذ لا يصل السالك إلى القصد إلّا إذا ترك جميع ما سوى المقصود، و لا شكّ أنّ الحمام نموذج لهذا المقام. [و اللّه أعلم].
نقل أنّ الشيخ أبا سعيد رحمه اللّه رأى قصّابا ذبح غنمة، و هي تضطرب و تلبّط و تتأوّه من التألّم، فرقّ لها قلبه، و لم يأكل بعد ذلك اللحم.
نقل [أن الشيخ أبا سعيد رحمه اللّه قال]: إذا رأيت الشيخ ساكنا فلا تتبعه بالسكون و الاطمئنان و التمكّن إلى أن يقع بينه و بين غيره شيء ذا جاه و منصب، فإن بقي على ما كان عليه فيظهر، و إلّا فيظهر ما كان مخفيّا فيه من الشرّ و الأضرار، أما إذا رأيت ميت الكلام ليس عنها منازعة و لا مخاصمة، فإذا رميت جيفة بينها تراها متنازعة متخاصمة بعضها مع بعض.
أقول: و قلّما يخلو الإنسان عن الشرّ، و إن كان بحقّه بالتكلّف و التصنّع، فإذا صار ذا منصب و جاه يمدّ رجله و يده، و يخرج إلى فعل ما كان فيه بالقوة،
[١] -أسرار التوحيد ٢٤٩، ٢٥٠.