تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٢٢٨
قيل: كان يجيء يوما إلى سفيان الثوري رحمه اللّه، فقال سفيان: تعال يا رجل المشرق. و كان الفضيل حاضرا فقال: و المغرب و ما بينهما أيضا.
حكي أنّ ابتداء سبب توبته أنه كان عاشقا على جارية، و هي قد سلبته العقل و القرار إلى أن جاء إلى تحت حائط بيتها في ليلة شاتية باردة، و هي كانت على السطح يشاهدها و تشاهده إلى أن أذّن المؤذن للصّبح، و في ظنّه أنه للعشاء، فلمّا انكشف الفجر، علم أنّه لصلاة الصبح، و أنه كان مستغرقا في مشاهدة معشوقته الجارية، فتنبّه و انتبه، و ندم على ما فعل، و قال في نفسه: أما تستحيي يا بن المبارك من أن أحييت ليلة إلى الصباح في هوى النفس؟ و كنت قائما واقفا على الأقدام لا تدري الرأس من القدم! و إن أطال الإمام نوبة في الصلاة يحصل لك ضجر و سآمة، و لا تقدر أن تقوم للّه في عبادته لحظة، أهكذا يفعل الكرام؟
أهكذا تحفظ الذمام[١]؟ و حصل في قلبه قلق و اضطراب و حرقة، و تاب من ساعته، و اشتغل بطلب العلم، و ترقّى و وصل إلى درجة من الكمال حتّى رأته أمّه نائما في البستان، و عنده حيّة عظيمة، أمسكت بفمها ورقة ريحان تروّحه بها.
ثم رحل من مرو إلى بغداد، و سكن بها مدة، و كان يصحب المشايخ، ثم سافر إلى مكّة شرّفها اللّه تعالى، و سكن هناك ما شاء اللّه تعالى، ثم رجع و توجّه إلى مرو، و هي من مدن خراسان، و اعتقده الخلائق فيها، و اشتغل بإفادة الناس و الدرس، و كان أهل مرو فريقين: بعضهم على طريقة أهل الحديث، و هم أصحاب الشافعي رضي اللّه عنه، و بعضهم على مذهب أهل الرأي على مذهب أبي حنيفة[٢] رضي اللّه عنه، و هو عاشر الفريقين بحيث أنّهما رضيا عنه، و سمّي رضيّ الفريقين لغاية موافقته لهما، و كلّ من الفريقين يدّعي: أنّه منّا. و هو بنى في مرو زاويتين: إحداهما لأهل الحديث، و الأخرى لأهل أرباب الرأي[٣]
[١] -في( أ): أهكذا تخفر الذمام.
[٢] -في( أ): على طريقة أهل الرأي.
[٣] -في( أ): و الأخرى لأصحاب الرأي.