تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٥٢٢
قال: قصدت أن أكتسب وجها حلالا للمعاش، فأخذت شبكة، و ذهبت إلى جنب النهر، و رميتها في النهر لأصطاد السمك، فسمعت هاتفا يقول:
تدّعي أن تكسب حلالا، و تريد أن تمنع السّمك عن ذكري باصطيادك؟! قال:
فندمت عمّا قصدت، و تركت.
نقل أن الخوّاص رحمه اللّه كان يقول: أتمنّى أن يرزقني اللّه تعالى بقاء أبديّا في الدنيا، حتى إن أهل الجنة إذا اشتغلوا بالتنعّم، و تركوا العبادة، أنا أكون قائما بحفظ آداب الشريعة، عابدا للّه تعالى، ذاكرا له.
أقول: و هذا يدلّ على غاية حرصه و رغبته في عبادة اللّه تعالى و طاعته، حتى تمنّى عمرا أبديّا ليصرفه في العبادة من غير التفات له إلى نعيم الجنة، ليعلم أنّ عبادته للّه تعالى إنّما هي للّه، لا لأجل رغبة في الثواب، و لا رهبة في العقاب، و الإخلاص ليس إلّا هذا. و اللّه أعلم.
و قال رحمه اللّه: إذا كان قلبك ساكنا، و إن كانت يدك فارغة، فاذهب أينما تريد.
و قال: من عرف اللّه تعالى بوفاء العهد يلزمه أن يطمئنّ قلبه باللّه؛ و يعتمد عليه.
و قال رحمه اللّه: ليس العلم بكثرة الرواية؛ بل بإتباع العلم للعمل، و الاقتداء بالسّنة، و إن كان العلم قليلا.
و قال رحمه اللّه: العلم كلّه مجتمع في كلمتين: أن لا تتكلّف بشيء لم يفرضه اللّه عليك، و لا تترك شيئا فرضه اللّه تعالى عليك.
و قال: من سكن قلبه إلى غير اللّه ابتلاه، فإذا رجع إلى اللّه تعالى يدفع عنه كلّ بلاء، و إن دام سكونه مع غير اللّه أزال اللّه الترحّم عليه عن قلوب عباده، و ألبسه لباس الطمع حتى يسأل الناس، و لا يكون في قلبهم شفقة، فيصير عيشه ضيقا، و موته شديدا، و يبقي في القيامة تأسّفه و ندامته.