تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٥٢١
فلطّخت أصبعي، فأمشي إلى زمزم لأغسلها. قلت: فما عزمك بعده؟ قال:
أريد أن أرجع إلى بيتي، و أبسط فراش أمّي الليلة.
و قال الخواص: سمعت أنّ في الروم راهبا ترهّب سبعين سنة في بيعة لهم، و اعتزل فيها عن الناس، و الحال أنّ الترهّب عندهم لا يكون إلّا إلى أربعين[١] سنة، فقصدته لأستكشف عن حاله، فلمّا وصلت إلى صومعته أخرج رأسه عن الصومعه، و قال: لم جئت يا إبراهيم؟ ما أنا شخصا راهبا، و لكن لي كلب يقع في الناس، و يعضّهم و يؤذيهم[٢]، فدخلت هذه الزاوية أحرس الناس عنه و أدفعه. قال الخوّاص: قلت: إلهي، أنت قادر على أن تهدي عبدك، و هو في عين الضلالة. ثم قال الراهب: يا إبراهيم، إلى متى تطلب الناس، كن حارسا لنفسك، فإنّ الهوى يتلبّس بلباس الألوهية في يوم ثلاث مئة و ستين نوبة[٣]، و ينكشف للعبد يدعوه إلى الضلالة.
قال أبو الحسن العلوي، و هو من تلاميذ الخواص: إن الشيخ رحمه اللّه قال له: أريد أن أسافر إلى موضع كذا، فهل ترافقني أم لا؟ قلت: نعم، و لكن أرجع إلى بيتي، و ألبس النعل و أجيء. فدخل البيت، و لبس النعل، و اتّفق له أن أكل شيئا من البيضة، و جاء إلى الشيخ، و مشيا إلى أن وصلا إلى نهر، فعبر الشيخ، و ما غاص في الماء، قال أبو الحسن رحمه اللّه: وضعت قدمي على الماء لأعبر كما عبر الشيخ، فغاصت قدمي فيه، فالتفت الشيخ إليّ و قال: إنك شددت البيضة على قدمك، لا جرم أنّها تغوص. فعجبت من عبوره على وجه الماء، و اطّلاعه بتوفيق اللّه على سرّي.
قال الخوّاص: جعت في البادية جوعا عظيما، فاستقبلني أعرابيّ، و قال:
يا وسيع البطن، ما هذه الدعوى! أما علمت أنّ الدعوى تفضح المدّعي، فمالك و التوكّل؟.
[١] -في( أ): إلّا أربعين سنة.
[٢] -يريد لسانه، و ما ينطق به، انظر صفحة ٦٠٨.
[٣] -في( أ): في يوم ثلاث مئة مرة و ستين نوبة.