تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١٦٨
روي أنه لما ترقّى أمره و عظم شأنه[١]، و حسده بعض الناس، و سعوا به إلى المتوكّل[٢]، فاستحضره المتوكّل إلى بغداد، فلمّا وصل إلى باب الخليفة، قال: تعلّمت الإسلام في الطريق من عجوزة، و الفتوّة من سقاء. قيل: و كيف ذلك؟ قال: لمّا رأيت حشمة الخليفة، و كثرة الحجّاب و الغلمان على باب الخليفة كدت أن أتغيّر، قالت عجوزة: انظروا إلى هذا الشخص، فإنّه يذهب إلى الحبس، و الحال أنّه و الذي أمر بحبسه عبدان و مملوكان لسيّد واحد جلّ جلاله و عزّ شأنه، فإن لم يؤلمه اللّه لا يقدر أحد على أن يؤلمه، و أيضا استقبلني سقّاء، و ناولني شربة ماء، و أنا أشرت إلى صاحب لي بإعطاء شيء، فلم يقبل السقاء، و قال: هو أسير محبوس مقيّد، و ليس من الفتوة أخذ شيء منه. ثم برز مرسوم الخليفة ليحبس، فبقي في الحبس أربعين يوما، و كانت أخت بشر الحافي ترسل له كلّ يوم رغيفا، تذهب به إلى باب الحبس، و تعطي البوّاب ليوصله إليه، فلمّا طلع من الحبس كان هنالك أربعون رغيفا، إذ ما أكل شيئا، فقيل: إنّ أخت بشر لم تبعث إليك إلّا وجها حلالا؟ قال: نعم، و لكن وصل إليّ على يد ليست نظيفة- يعني يد السجان.
قيل: حين خرج من السجن سقط على وجهه، و انكسرت جبهته، و جرى الدم، و ما تلطّخ به وجهه و لا ثيابه، و لا رأوا على الأرض أيضا منه قطرة، فأدخلوه على الخليفة، و هو سأل منه جواب مسائل استشكلها المفسّرون، فشرع في الشرح، و وعظ الخليفة، حتى بكى، و ردّه مكرما معزّزا، و تعجّب الحاضرون من فصاحته و بلاغته. و اللّه أعلم[٣]
نقل أنه رأى أعرابيا في الطواف ضعيفا نحيفا، يبس جلده على عظمه، فقال له: أمحبّ أنت؟ قال: نعم. قال: حبيبك قريب أم بعيد؟ قال: قريب. قال:
[١] -في( ب): و عظم شغله.
[٢] -المتوكل: جعفر بن محمد( المعتصم باللّه) بن هارون الرشيد، أبو الفضل( ٢٠٦- ٢٤٧) تولّى الخلافة العباسية سنة ٢٣٢ ه.
[٣] -قوله: و اللّه أعلم من( أ) فقط.