تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٧٩٥
و قال: تحيّر قوم في هذا المقام إلى مقام المعرفة بلا كيف، ثم قنعوا بهذا التحيّر؛ بل يسألون الزيادة فيه.
أقول: و هذا كما نقل عن بعضهم أنّه كان يقول في بعض دعائه: اللّهمّ، زدني تحيرا فيك[١]. [و اللّه أعلم].
قال: و هؤلاء لا يعلمون أنّ القناعة بالتحيّر أيضا صارت لهم حجابا، فلو كانت لهم بصيرة لطلبوا الخلاص عن التحيّر ليصلوا إلى بحر الحياة.
أقول: حاصل هذا الكلام أن التعلّق بشيء من الأشياء حتّى بالتحيّر فيه مانع عن الوصول إليه معرفة؛ بل لا بدّ من رفع السترة، و إزالة العلائق حتّى تطلع شمس المعرفة من أفق العناية، و يضيء عالم قلب العارف إضاءة بلا زوال، إذ هذه الشمس تنير بلا أفول، فظهر أنّ مراده عدم التعلّق و التقيّد بمقام التحيّر، و إلّا فلا شكّ أن التحيّر في معرفة الحقّ يقال: لا يزول أصلا؛ بل يزداد بازدياد المعرفة على خلاف سائر المعارف، فافهم [فإنه] دقيق جدا، و لا يدركه إلّا ذو طبع سليم، و إدراك مستقيم. [و اللّه أعلم].
قال: كلّما يوجد العارف و المعرفة يكون بالحقّ من الحقّ، و هذا مقام التجريد لا التوحيد، لأنّه في مقام التوحيد لا يوجد العارف و لا المعرفة، إذ مع توهّم وجود العارف و المعرفة لا يكون التوحيد توحيدا؛ بل عند إشراق نور التوحيد تضمحلّ جميع الأشياء و وجوداتها، كما أنّ عند طلوع الشمس تتلاشى أنوار الكواكب، و هذا سرّ لا ينكشف إلّا لذوي البصائر الذين أذابوا نفوسهم في ترقية المجاهدة، ثم صفّوها عن الكدورات البشرية، و خلّصوها عن الرذائل الجسمانية، ثم حلّوها بالمعارف اليقينية، و اللّوامع الشّهودية، و الأنوار الكشفية، و الأسرار الذوقية، و قليل ما هم، فطوبى لهم و حسن مآب، فليتني كنت في ممشاهم غبارا من التراب.
[١] -هو إشارة لقول ابن الفارض:
|
سألتُ حبيبى الوصلَ منه دُعابَةً |
و أعْلَمُ أنَّ الوصل ليس يكونُ |
|
|
فمَاسَ دلالًا و ابتهاجاً و قال لى |
برفقٍ مجيباً( ما سألتَ يَهُونُ) |
|