تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١٠٧
قيل: أعطت رابعة دراهم لشخص ليشتري لها كساء، لأنّها كانت عارية، فذهب الشخص و جاء إليها، و قال على أيّ لون أشتري لك الكساء؟ قالت: لما جاء اللون في البين، أعطني دراهمي، فأخذتها، و رمتها في الدجلة[١].
و قيل: دخلت في البيت، و كان فصل الربيع، قالت لها الخادمة: اطلعي من البيت يا سيدتي، و انظري إلى صنع اللّه. قالت: ادخلي إلى البيت، و انظري إلى الصانع[٢]، شغلتني مشاهدة الصانع عن مشاهدة الصنع.
نقل أنه ذهب إليها جماعة للزيارة، فرأوها تقطع اللحم بأسنانها، قالوا لها:
ليس عندك سكين لتقطعي بها اللحم؟ قالت: من خوف القطيعة، لا أحبّ أن يكون عندي سكين؛ فإنه آلة القطع، ما كان لي، و لا يكون أبدا.
و نقل أنّها صامت مرة سبعة أيام بلياليها، و ما أفطرت، و لا تناولت شيئا، و لا نامت ليلا و لا نهارا، و كانت طول الليل مشتغلة بالصلاة، و جاوز الجوع حدّه، فجاء شخص إلى باب البيت بطعام لها، فأخذته، و ذهبت لتلهب ضوءا، فلمّا رجعت رأت الطعام قد انقلب إناؤه، و انصبّ الطعام على الأرض، فذهبت لتأخذ كوزا، و تفطر على الماء، فانطفأ السراج، فقصدت الماء للشرب، وقع الكوز من يدها على الأرض، و انكسر، فأنّت أنينا كاد البيت أن يحترق من أنينها و نفسها، و قالت: إلهي، ما هذا الصنع الذي تفعل مع هذه الضعيفة العاجزة؟! فسمعت صوتا: يا رابعة، إن أردت أن نجعل الدنيا كلّها وقفا عليك نجعلها، لكن يخرج من قلبك حزننا و خوفنا؛ فإنّ خوفنا لا يجتمع مع نعم الدنيا في قلب، يا رابعة، لك مراد، و لنا مراد، فكيف يجتمع مرادنا و مرادك في قلبك؟
قالت: فحين سمعت هذا الخطاب صار قلبي منقطعا من الدنيا، و قصر أملي إلى حدّ أصلّي منذ ثلاثين سنة، و أقول في كلّ صلاة: هذه آخر أعمالي و آخر صلاتي، و انقطعت من الخلق إلى حيث كلّما يصبح عليّ من خوف أن
[١] -جاء في المطبوع من الترجمة صفحة ٢٧٠: أي أنّ التفرقة ظهرت لها و هي لم ترتد المرقعة بعد.
[٢] -في( ب): أدخل إلى البيت، و أنظر إلى الصانع.