تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٨٦
الحجّاج، و الحال أنّه كان في صومعة حبيب، فسألوا حبيبا عنه، قال: هو في الصومعة. فدخلوا الصومعة و طلبوه، فلم يجدوه، فخرجوا منها، و قالوا: الذي يصنع معكم الحجّاج هو أقلّ جزائكم؛ فإنّكم قوم كذّابون، قلت هو في الصومعة، و ليس هو فيها. قال حبيب: هو داخل الصومعة بحضوري، فإن كنتم لا ترونه فلا عليّ. فدخلوها مرّة أخرى و ما وجدوه، فتركوه و مضوا، ثم خرج الحسن منها، و قال: يا حبيب، ما راعيت حقوق التعليم و التعلّم، و سعيت بي إلى الظلمة.
قال: يا أستاذ، لا تعترض عليّ، فإنّك ما نجوت منهم إلّا بواسطة صدقي في هذا المقال، فإنّي لو كذبت و كتمتك لهلكت أنا و أنت. قال الحسن: ماذا صنعت حتى ما رأوني؟ قال: قرأت آية الكرسي تسع مرات و آمَنَ الرَّسُولُ ... [البقرة: ٢٨٢] تسعا و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تسعا، و قلت مرّة واحدة: يا ربّ، استودعتك الحسن، فاحفظه. قال الحسن: وضع بعضهم يده عليّ سبع مرات و ما رآني.
نقل أنّ الحسن رحمه اللّه أراد يوما أن يذهب إلى موضع، و جاء إلى جنب دجلة، و وقف متفكّرا، إذ جاء حبيب و قال: يا إمام، لم وقفت هنا؟ قال: أريد العبور، و لا أجد زورقا أركب عليه. قال: يا أستاذ، مالك لا تقدر أن تعبر على الماء، و أنا من أقلّ تلاميذك، و أنت شيخي! أخرج الحسد من قلبك، و برّد الدنيا على فؤادك- يعني اترك محبّتها- و اغتنم البلاء، و اعلم أن الأمور كلّها من اللّه تعالى، ثم ضع رجلك على الماء و اعبر. قال: و حطّ رجله على الماء، و عبر دجلة، و الحسن ينظر إليه حتى خرّ مغشيّا عليه، فلمّا أفاق قال حبيب:
مالك يا إمام المسلمين؟ قال: أنت من تلاميذي و لمتني الساعة، و عبرت دجلة، و أنا بقيت اليوم في هذا الطرف متحيّرا، فأنت تعبر غدا على الصراط، و أنا أبقي كذلك متحيّرا، كيف يكون حالي؟ ثم قال: يا حبيب، بم أدركت هذه المنزلة و الدرجة؟ قال: لأنّي أبيّض الباطن، و أنت تسوّد الكاغد. قال:
يا عجبا، أعلمي نفع غيري، و لم ينفعني[١].
و لا يتوهّم أحد أنّ مقام حبيب كان أعلى من مقام الحسن، إذ ليس عند اللّه
[١] -انظر خبر عتبة الغلام مع الحسن صفحة ٩١.