تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٦٣٢
النفس و تصفيتها من الكدورات الجسمانية، فإذا فسد كلّ من هؤلاء الثلاثة في الجهة المطلوبة منه، فلا جرم أنّه تختلّ أحوال المقتدين بهم، و المقتفين أثرهم اختلالا ظاهرا. و اللّه أعلم.
و قال: إذا غلب الهوى أظلم القلب و اسودّ، و حينئذ يبغض الناس، و إذا أبغضهم فهم أيضا يبغضونه، و حينئذ تظهر العداوة فيما بينهم، و الجور و ما يتبعه من الصفات الذميمة.
و قال: ما ظهرت فتنة من لدن آدم ٧ إلى الآن بين الناس إلّا بسبب الاختلاط مع الخلق، و ما نجا أحد من الفتن إلى يومنا إلّا بالعزلة من الخلق.
و قال: من علامة الولاية أن يحدّث الوليّ عن أصول العلم. قيل: و ما هي؟
قال: هي علم المبدأ و علم المقادير، و علم العهد و الميثاق، و علم الحكمة ليس إلّا هذا، و هذا علم أكابر الأولياء، و لا يقبله منهم إلّا من لم يكن لإبليس حظّ في ولايته.
أقول: أمّا علم المبدأ: فهو ما يتعلّق بذات اللّه تعالى و صفاته و أفعاله، و منه معرفة النفس، و تهذيب أخلاقها.
و علم المقادير: ما يبيّنه قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [القمر: ٤٩] يعني: لا شيء في الوجود إلّا و هو مخلوق للّه تعالى، و مع ذلك هو بقدر أي بتقدير سابق، و قضاء لاحق.
و أمّا علم العهد و الميثاق: فإمّا إشارة إلى قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الأعراف: ١٧٢] و إمّا إشارة إلى أنّ لكلّ أمة و طائفة عهدا و ميثاقا مع نبيّه ٧، و على أيّ حال فلا بدّ من الوفاء بالعهد الأوّلي الذي جرى بين العبد و ربّه في الأزل، و من ذلك متابعة النبيّ صلى اللّه عليه و سلم في جميع ما جاء به من عند اللّه قولا و اعتقادا، فعلا و تركا.
و الحقّ أنّ كلّا من العلوم الثلاثة بحر عميق لا ساحل له، و لا يخوضها أحد