تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٧٨٣
نظر إليّ شزرا بعد الصلاة، و كادت مرارتي أن تنشقّ من الخوف و الرعب، و رأيتني عنده كعصفور في مخلب بازيّ، و ما بقي لي مخاصمة و لا منازعة معه.
ثم أرسل المقدّم إلى الشيخ: إنّ القاضي الصاعد يتبعه ثلاثون ألفا من أهل نيسابور، ولي من التبع عشرون ألفا، و للسلطان محمود رحمه اللّه عسكر عظيم، و سبع مئة فيل، و أنت غلبت الجميع و كسرتهم بخمسة أرطال من الكعك و الزبيب، و بنظر إلى القاضي لَكُمْ دِينُكُمْ وَ لِيَ دِينِ[١] [الكافرون: ٦].
نقل أن الشيخ أبا سعيد رحمه اللّه كان عابرا في بعض السكك، فأبصر جماعة من الكنّاسين ينقلون النجاسة من مبرز، و يكنسونه، و ظهرت هناك رائحة كريهة، فوقف و قال لأصحابه: هل تدرون ما تقول هذه النجاسة بلسان الحال؟
قالوا: لا. قال تقول: ما أنا إلّا الأطعمة و الفواكه التي كان لي طعم حسن، و رائحة طيّبة، و كان للناس ميل عظيم إليّ حتى أنّهم يتخاصمون و يتقاتلون لأجلي، ثم تحوّل الحال إلى إن بتّ معكم ليلة، و صاحبتكم فيها، فاكتسبت من الخساسة و الحقارة و الطعم و الرائحة ما لا يخفى، ثم خلصت منكم، و سأصير ترابا، و لكن كيف يكون حالكم و أنتم تصاحبون أنفسكم و لا تفارقونها سبعين سنة أو أقلّ أو أكثر؟ فأنتم آخر الأمر لا تخرجون منكم إلّا شيئا عجيبا[٢].
نقل أن الشيخ أبا سعيد رأى جماعة من الظّلمة قد أقعدوا رجلا في الشتاء في الماء البارد، و يضربونه قويا، و الرجل يقول: يا ربّ يا ربّ. فذهب الشيخ إليهم، ليتشفّع فيه، ثم رجع، و لم يتكلّم شيئا، فسأله بعض الأصحاب، و قال:
لم رجعت قبل أن تشفع؟ قال: لأنّي نوديت في سرّي[٣]: يا أبا سعيد، لا تشفع في هذا الرجل؛ فإنّه ما ذكر اللّه تعالى في عمره قطّ إلّا في هذا اليوم، و هذا أيضا بالعصا، فدعهم يضربوه، لأنّ هذا جزاء لمن لم يذكر اللّه تعالى في الراحة، و يذكره في الشدة.
[١] -أسرار التوحيد ٨٩- ٩٥.
[٢] -أسرار التوحيد ٣٠٠.
[٣] -الأصل: لأني نويت في سرّي.