تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٥٣٧
نقل أنه نوبة كان يدور في السوق و يقول: آه من الإفلاس، آه من الإفلاس.
قالوا: ما الإفلاس؟ فقال: مجالسة الناس، و محادثتهم، و المخالطة معهم.
نقل أنّه مرّة مرّ بجماعة متنعّمين مشتغلين بتحصيل لذّات فانية دنيوية، فشهق، و قال: هذه قلوب واهية غافلة عن اللّه تعالى، و عن ذكر اللّه[١]، فلا جرم أنّ اللّه تعالى ابتلاهم بجيفة الدنيا و نجاستها.
و نقل أنّه رأي في بعض المقابر امرأة تبكي و تقول: آه من فراق الولد. فصاح الشبلي، و بكى، و ضرب على رأسه، و قال: آه من فراق الأحد.
قال: التقيت بإبليس، فقال: يا شبلي، لا يغرّك صفاء الأوقات، فإنّ تحته غوامض الآفات.
نقل أنّه رأى نارا مشعولة في حطب طريّ نديّ، و الماء يتقاطر من الطرف الآخر كما هو المعروف، فنظر إلى الأصحاب، و قال: أيّها المدّعون، فإن صدقتم أنّ في قلبكم نار الخوف و المحبة، فأين تقاطر الدموع من عيونكم؟.
نقل أنه دخل في بيت الجنيد، و هو في غلبات الشوق و السكر، و امرأة الجنيد مكشوفة الرأس، فأرادت أن تستر رأسها، فقال الجنيد: لا تستري رأسك، فإن سكران هذه الطائفة لا يلتفت إلى الجنّة، و لا يحسّ بالنار. ثم شرع يتكلّم و يتحدّث مع الجنيد حتى غلبه البكاء، فالتفت الجنيد إلى امرأته، و قال: غطّي رأسك الآن؛ فإنه صحا، لأجل هذا يبكي.
و قيل دخل على الجنيد يوما محزونا، فقال الجنيد: مالك يا شبلي، من طلب وجد؟ قال الشبلي: لا، بل من وجد طلب.
أقول: كلام الجنيد إشارة إلى مقام السالك المجذوب، و كلام الشبلي إلى مقام المجذوب السالك، و لا شكّ في أنّه لو لم يكن من اللّه جذبه أولا كيف يطلبه أحد، بل كيف يغيّر فيقدّم الجذبة؟- أعني التقدير الأزليّ، و العناية الأولية
[١] -في( أ): غافلة من اللّه و عن رسوله.