تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٢٨٧
و قال لشخص: إن أردت السلامة، فسلّم على الدنيا تسليم الوداع، و إن أردت الكرامة فكبّر على الآخرة بالترك. يعني اترك الدنيا و الآخرة جميعا لتصل إلى اللّه تعالى.
قال المعروف: ما رأيت أحدا تكون الدنيا حقيرا في عينه مثل داود، فإنه لم يكن للدنيا و لا لأهل الدنيا عنده مقدار مثقال ذرة[١] حتى إذا كان يرى أحدا من أهل الدنيا يشتكي من الظلمة، و كان متنفّرا من قواعدهم و رسومهم بحيث إذا كان يغسل قميصه يقول: أصادف قلبي متغيّرا، لكن يحبّ الفقراء و يكرمهم.
نقل أنّ الخليفة كان يعتقده، و لا يجد إليه طريقا، و كتب له مثالا ليدرّس الفقهاء، و جاء إليه الوزير بالمثال، و عنده فقير منكسر، فأعرض عن الوزير، و توجّه إلى ذلك الفقير، و أخذ المثال من وراء الظهر، و لم يلتفت إلى الوزير، و رمى المثال، و قال للوزير: قل للخليفة: أنا أعمل بما أمرني اللّه تعالى، فاترك أنت الفضول، و كان صاحب مروءة.
قال الجنيد رحمه اللّه: حجمه الحجّام، فأعطاه دينارا، قال الحجّام: هذا إسراف. قال: ليس بعابد من لا مروءة له، إذ ورد في الخبر: «لا دين لمن لا مروءة له»[٢].
نقل أنه دخل إليه بعضهم، و جعل ينظر إليه، فقال: أما علمت أنّهم كانوا يكرهون فضول [النظر، كما كانوا يكرهون فضول] الكلام.
نقل أن أبا يوسف القاضي و محمد بن الحسن رحمهما اللّه إذا كانا يختلفان في مسألة يرفعان المسألة على داود، و هو يفصل بينهما؛ و لكن كان يتوجّه إلى محمد، و يعرض عن أبي يوسف رضي اللّه عنه، فإن كان الحقّ في جانب محمد، يقول: الحقّ ما يرسمه محمد، و إن كان في جانب أبي يوسف، يقول:
[١] -في( أ): مقدارا في عينيه، حتى إذا.
[٢] -الخبر من قول داود نفسه، انظر حلية الأولياء ٧/ ٣٥٤، و تاريخ بغداد ٨/ ٣٥٠. و قوله: إذ ورد .. ليس في( أ).