تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١٦٣
حبّات السمسم حتى شبع، و شرب من ماء الورد، و طار إلى مكانه من الغصن، و اختفت القصعتان في الأرض، فحصل لي حالة عظيمة، و تحقّقت توبتي، و وصلت من التوكّل إلى الغاية القصوى.
نقل أنه ذهب مع جماعة، فوصلوا خربة، فدخلوا فيها، رأوا هنالك بمسوّفة[١] مملوءة من الذهب و الجواهر النفيسة، و على رأسها لوح من الخشب مكتوب عليه (اللّه)، فلمّا رأوا ذلك اشتغل أصحابه بقسمة المال، و هو أخذ اللوح، و قال: عليه اسم الحبيب. فجعل يعزّزه و يكرمه و يقبّله، و لم يحصل له ميل إلى الذهب و الفضة لصدق توبته، و تمام عزيمته، فرأى في تلك الليلة في المنام كأن قائلا يقول له: يا ذا النون، اشتغل كلّ من أصحابك بالذهب و الجواهر و رغب فيهما، و أنت اكتفيت باسمي المكتوب على ذلك اللوح، لا جرم فتحنا عليك أبواب علم الحقائق و كشف الدقائق.
قال: كنت سائرا جنب ساقية أو نهر، انتهيت إلى منظرة عالية هناك، فتوضّأت و رجعت، فوقع نظري على المنظرة، فرأيت فيها جارية في غاية الحسن و الجمال، أردت امتحانها، فقلت: لمن أنت يا جارية؟ قالت: يا ذا النون، لمّا رأيتك بادي الرأي ظننتك مجنونا، فلمّا صرت قربنا[٢] ظننتك عالما، ثم لمّا صرت أقرب ظننتك عارفا، و الآن تبيّن الحال، و انكشف الأمر فما أنت بمجنون و لا عالم و لا عارف. قلت: كيف هذا الشأن؟ قالت: فلو كنت مجنونا لما توضّأت، و لو كنت عالما لما نظرت إلى غير محرمك، و لو كنت عارفا لما نظرت إلى غير اللّه، و لما التفتّ إلى ما سوى الحقّ جلّ و علا.
قالت هذا الكلام و غابت عن النظر، علمت أنّها ما كانت من البشر، فوقع في قلبي حريق، و سرت إلى ساحل البحر، و صادفت جماعة يريدون ركوب
[١] -المسوّفة: البئر، التي يقال: سوف يوجد فيها الماء. و ظني أنها: مسوفة: أي زنبيل سفّ( نسج) من الخوص.
[٢] -في( ب): يا ذا النون، فلمّا رأيتك بادي الرأي ظننتك مجنونا، فلمّا صرت قريبا ظنتك مجنونا، فلمّا صرت قربنا.