تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٩٩
الباطن و الأمور المعنوية فلا استبعاد فيها؛ و لكن لا يجزم بها، و لا تعلم كيفيتها، و اللّه أعلم
ثم خرجت[١] رابعة إلى البصرة، و اشتغلت هناك بعبادة اللّه تعالى إلى سنة، و قالت: الكعبة استقبلتني في العام الماضي، و إنّي أستقبلها في هذه السنة.
فلمّا جاء وقت السفر نقل الشيخ أبو علي الفارمذي رحمه اللّه: أنها قصدت الحجّ ثانيا، و دخلت البادية، و كانت تتقلّب على جنبيها في الطريق حتى وصلت على هذه الحالة بعد سبع سنين إلى عرفات، فحين انتهت إليها سمعت هاتفا يقول: ما هذا الطلب يا مدّعية؟ فإن كنت طالبة لنا فنتجلّى لك تجلّيا واحدا لتذوبي في الحال كما يذوب الملح في الماء. قالت: يا ربّ العزة، ليس لرابعة رأس مال تتّجر به هذا المقدار من المال و الربح؛ لكن أطلب نقطة من الفقر.
فنوديت: يا رابعة، الفقر هو قهرنا الموضوع على طرق الرجال الذين يتوجّهون إلينا، فإذا وصلوا إلى مقام لم يبق بينهم و بين حضرتنا القدسية إلّا مقدار شعرة، لا يأمنون من أن تهبّ ريح القهر من هواء الغيرة، و ينقلب الحال عليهم، و ينعكس الأمر، و يتبدّل الوصال بالفراق، و القرب بالبعد، و الرّضا بالسخط[٢]، و أنت يا رابعة مغمورة بعد، محجوبة بسبعين حجابا، فإذا لم تقطعي الحجب، و لا تعبري بعده بسبعين مقاما، لا يمكنك حديث الفقر؛ و لكن يا رابعة انظري إلى فوقك. فنظرت، فرأت بحرا من الدم في الهواء، و قال هاتف: هذا البحر الذي رأيتيه دموع عشّاقنا، أتوا لطلب وصالنا، فعطبوا في المنزل الأول، و لم يعلم أحد بهم أثرا في الدارين غيرنا. قالت رابعة:
إلهي، أرني من علامة سعاداتهم شيئا. ففي الحال حاضت، ثم سمعت هاتفا يقول: المقام الأول لهم أن يتقلّبوا على جنوبهم في بوادي محبّتنا سبع سنين لزيارة حجر، فإذا وصلوا إلى قرب الحجر ينسدّ عليهم الطريق بعلّة توجد فيهم.
[١] -في( أ): ثم رجعت.
[٢] -في( أ): و أنشد بعضهم في هذا المعنى بيتين.